Skip to main content

مطار المزة... عندما يتغير اسم المكان ولا تُحل قضاياه

 |  قاسيون  |  محليات

الإعلان عن تحويل مطار المزة العسكري إلى مطار مدني يمكن أن يبدو، في ظاهره، خبراً عن التنمية والانفتاح الاقتصادي. لكن خلف هذا العنوان البراق تختبئ أسئلة أكثر إلحاحاً: ماذا عن سكان المنطقة؟ ماذا عن الضوضاء والسلامة؟ وماذا عن أصحاب الأراضي التي استُملكت قبل عقود وما زال بعضهم يطالب بحقه فيها؟

المشكلة الأولى أن مطار المزة ليس في الصحراء. إنه منشأة قائمة وسط مدينة مكتظة، تحيط بها أحياء سكنية وامتدادات عمرانية واسعة. وبالتالي فإن تحويله إلى مطار مدني ليس مجرد تغيير في طبيعة الاستخدام الإداري، بل قرار ستكون له آثار مباشرة على حياة آلاف السكان.
صحيح أن الحديث الرسمي يركز حالياً على الطيران الخاص والتنفيذي، وليس على تحويل المزة إلى مطار تجاري ضخم. لكن ذلك لا يلغي الأسئلة المتعلقة بمسارات الطيران، وعدد الرحلات، وساعات التشغيل، والضوضاء، ومعايير السلامة. فالسكان ليسوا تفصيلاً هامشياً في أي مشروع طيران يقع داخل مدينة؛ ومن حقهم أن يعرفوا مسبقاً ما الذي سيتغير فوق منازلهم وفي محيطها.
أما الملف الأكثر حساسية فهو ملف الأراضي.
لقد شهدت المنطقة المحيطة بالمطار عمليات استملاك تعود إلى عقود سابقة، ارتبط بعضها بالاستخدام العسكري والأمني. واليوم، مع تغيير وظيفة الموقع، يعود أصحاب بعض هذه الأراضي للمطالبة بحقوقهم. وهنا لا يكفي أن يقال إن «الأرض أصبحت للدولة»؛ فالسؤال الحقيقي هو: كيف أصبحت للدولة؟ وهل استُكملت إجراءات الاستملاك؟ وهل دُفعت التعويضات؟ وهل انتقلت الملكية فعلاً في السجلات العقارية؟
إذا كانت هناك أراضٍ لم تُستكمل إجراءات استملاكها أو بقيت ملكيتها مسجلة لأصحابها، فإن تجاهل هذه المسألة قبل إطلاق المشروع المدني سيكون خطأً قانونياً وأخلاقياً. وإذا كانت الملكية قد انتقلت إلى الدولة بصورة أصولية، فتبقى مسؤولية الدولة في التأكد من حصول أصحاب الحقوق على التعويضات العادلة والكاملة.
الأخطر أن القيمة الاقتصادية للأرض قد تتغير مع تحويل المطار إلى مشروع مدني، خصوصاً إذا رافقه تطوير عمراني وتجاري واستثماري. وهنا قد يجد أصحاب الأراضي أنفسهم أمام مفارقة مؤلمة: أرض أُخذت منهم في الماضي بحجة الضرورة العسكرية، ثم أصبحت اليوم جزءاً من مشروع اقتصادي مدني أكثر قيمة، بينما لم تُحسم حقوقهم.
لذلك، فإن اختبار جدية المشروع لا يبدأ من المدرج ولا من الطائرات، بل من الملكية والشفافية والعدالة.
قبل تحويل المزة إلى مطار مدني، يجب نشر خرائط حرم المطار، وكشف وضع العقارات المستملكة، وتدقيق السجلات العقارية، وتسوية حقوق أصحابها، وإجراء دراسة مستقلة للضوضاء والسلامة والأثر العمراني.
فليس المطلوب أن نعارض التنمية، بل أن نسأل: تنمية لمن؟ وعلى حساب من؟
تحويل مطار المزة من عسكري إلى مدني قد يكون خطوة نحو المستقبل، لكن المستقبل لا يُبنى فوق حقوق معلقة، ولا فوق ذاكرة عقارية لم تُغلق ملفاتها بعد.