العويجة.. حيٌّ على هامش الكهرباء والماء والنظافة...
حين يصبح إيصال الكهرباء إلى شارعٍ مطلباً مؤجلاً، تتحول الخدمات الأساسية إلى معركة يومية للأهالي.
في العويجة بحلب، لا تبدو أزمة الخدمات مجرد عطلٍ عابر أو تأخيرٍ إداري، بل واقعاً يومياً يعيشه الأهالي منذ فترة طويلة. كهرباء غائبة، ومياه تصل بشكل متقطع، ونفايات تتراكم في الشوارع، فيما تبدو الجهات المعنية عاجزة أو غير راغبة في وضع حدٍّ لمعاناة حيٍّ بات يشعر أنه خارج حسابات الخدمات العامة.
العويجة، ليست منطقة معزولة عن مدينة حلب، ولا تقع في مكان يستحيل الوصول إليه أو خدمته. المفارقة التي يطرحها الأهالي، أن شبكة الكهرباء موجودة في مناطق قريبة، وأن المشكلة، بحسب ما يقولون، لا تحتاج إلى مشروع ضخم بقدر ما تحتاج إلى تمديد ضمن الشارع، وإيصال التغذية إلى المنازل.
لكن حتى هذا المطلب البسيط بقي معلّقاً.
الكهرباء.. مشكلة تمديد أم مشكلة قرار؟
منذ مدة، يحاول أهالي العويجة، إلى جانب المختار ولجنة الحي، إيصال شكواهم إلى شركة الكهرباء، مطالبين بإيصال الكهرباء إلى المنطقة.
وبحسب ما ينقله الأهالي، فإنهم راجعوا الجهات المعنية أكثر من مرة، لكن من دون الوصول إلى نتيجة. والمبرر الذي تلقوه، وفق روايتهم، أن التمديد الذي كان قائماً، أو مرفوعاً في أيام النظام السابق كان استثناءً، وأن هذا الاستثناء لم يعد سارياً في الوقت الحالي.
وهنا تبرز المفارقة: إذا كانت الحاجة إلى الكهرباء قائمة، وإذا كانت الشبكة تصل إلى منطقة قريبة، فلماذا يبقى إيصالها إلى أهالي العويجة معلقاً على استثناءٍ إداري سابق؟
الأهالي لا يطلبون امتيازاً، ولا خدمة خاصة. إنهم يطالبون بخدمة أساسية يفترض أن تكون جزءاً من أبسط مقومات الحياة، خصوصاً أن غياب الكهرباء لا يعني فقط غياب الإنارة عن المنازل والشوارع، بل ينعكس على المياه، وحفظ المواد الغذائية، ودراسة الأطفال، والعمل، وكل تفاصيل الحياة اليومية.
أن يبقى حي كامل بلا كهرباء، بينما تصل الشبكة إلى مناطق قريبة منه، يعني أن المشكلة لم تعد كهربائية فقط، بل أصبحت مشكلة وصول الخدمة إلى مستحقيها.
الماء.. خدمة أخرى على جدول الانتظار
لا تنتهي المعاناة عند الكهرباء. فالمياه هي الأخرى لا تصل بصورة مستقرة، والانقطاعات المتكررة تزيد من أعباء السكان، الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى تدبير احتياجاتهم بوسائل مختلفة، في ظل غياب الاستقرار في واحدة من أكثر الخدمات ارتباطاً بالحياة اليومية.
وهكذا يصبح المواطن في العويجة أمام معادلة قاسية: لا كهرباء مستقرة، ولا ماء مستقراً، ومع ذلك عليه أن يدبر حياته، وأن يؤمن احتياجات أسرته، وأن يتحمل تكاليف إضافية لا تنتهي.
النفايات.. الشوارع تتحول إلى مكبات
إذا كان انقطاع الكهرباء والماء يؤثران على داخل المنزل، فإن مشكلة النفايات تجعل الأزمة واضحة في الشارع نفسه.
الصور التي ينقلها الأهالي من المنطقة تظهر أكواماً من النفايات منتشرة في مساحات واسعة، وحاويات لا يبدو أنها تكفي أو تُفرغ بصورة منتظمة، فيما تتراكم المخلفات حولها وفي محيط الشوارع.
المشهد لا يتعلق فقط بتشويه المنظر العام. تراكم النفايات في منطقة سكنية يعني مخاطر صحية وبيئية، وانتشار الروائح والحشرات والقوارض، ويجعل الأهالي أمام مشكلة تتفاقم مع مرور الوقت.
والسؤال البسيط هنا: من المسؤول عن جمع هذه النفايات؟ ومتى تصبح نظافة الشارع خدمة أساسية لا تحتاج إلى مناشدة متكررة؟
العويجة ليست وحدها...
قد تبدو قصة العويجة، للوهلة الأولى، مشكلة حيٍّ واحد. لكن عند النظر إلى المشهد الأوسع في حلب، تظهر صورة أكثر عمقاً.
العويجة، وجبل بدرو، والفردوس، والشعار، والميسر، وغيرها من المناطق، تختلف في مواقعها وتفاصيلها، لكن القاسم المشترك بينها هو معاناة الناس: تراجع الخدمات، وارتفاع تكاليف الحياة، وضيق فرص العمل، وتراجع القدرة الشرائية.
تتعدد المناطق، لكن المعاناة واحدة: لا كهرباء كافية، ولا ماء مستقراً، ولا نظافة منتظمة، ولا عملاً يؤمّن حياة كريمة، ولا أجوراً تواكب تكاليف المعيشة.
وهنا لا تعود القضية قضية شارع أو حي، وإنما تصبح سؤالاً عن الأولويات:
هل الخدمات الأساسية حق فعلي لكل المواطنين، أم أنها تبقى مرتبطة بالاستثناءات والقدرة على الوصول إلى الجهات المعنية؟
ما يطلبه أهالي العويجة ليس مستحيلاً
من الواضح، أن الأهالي لا يضعون قائمة مطالب فوق طاقة المؤسسات. مطالبهم، كما يطرحونها، تبدو في حدود الحد الأدنى: إيصال الكهرباء، تحسين انتظام المياه، ورفع النفايات من الشوارع.
كما أن وجود المختار ولجنة الحي إلى جانب الأهالي في متابعة الموضوع يعني أن المشكلة ليست غائبة عن الجهات المعنية. فالشكوى قُدمت، والمراجعات جرت، والمطلب معروف.
لكن استمرار المشكلة رغم ذلك يطرح سؤالاً ضرورياً:
أين تتوقف الشكوى؟ وأين تبدأ المسؤولية؟
فالناس لا تستطيع أن تعيش على الوعود، ولا يمكن أن يتحول انقطاع الكهرباء إلى أمر طبيعي، أو تصبح أكوام القمامة جزءاً من المشهد اليومي، أو يُطلب من الأهالي التكيف إلى ما لا نهاية مع انقطاع المياه.
الخدمات ليست منّة من أحد، بل هي من أساسيات الحياة في أي مدينة.
العويجة المنسية
ربما تكون الكلمة الأكثر تعبيراً عن حال المنطقة اليوم هي: النسيان.
ليس لأن العويجة بعيدة عن حلب، بل لأن واقعها الخدمي يجعل سكانها يشعرون بأنها بعيدة عن دائرة الاهتمام.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الخطط والبيانات عن إعادة البناء وتحسين الواقع الخدمي، يبقى السؤال الحقيقي في الشوارع والأحياء: ماذا وصل فعلياً إلى المواطن؟
فالمدينة لا تُقاس فقط بشوارعها الرئيسية أو بمراكزها الحيوية، وإنما أيضاً بأحيائها الطرفية وبقدرة سكانها على الحصول على أبسط حقوقهم اليومية.
العويجة اليوم تقول بوضوح: لسنا بحاجة إلى وعود كبيرة، نحتاج فقط إلى كهرباء تصل إلى بيوتنا، وماء يصل بانتظام، ونفايات تُرفع من شوارعنا.
وإذا كان إيصال الكهرباء يحتاج فعلاً إلى قرار أو معالجة إدارية تتجاوز مسألة «الاستثناء القديم»، فإن المطلوب من الجهات المعنية أن تجد حلاً جديداً، لا أن تجعل استثناءً قديماً سبباً لاستمرار الحرمان.
فالخدمة التي يحتاجها المواطن اليوم يجب أن تُقاس بحاجته إليها، لا بتاريخ القرار الذي سبق أن سمح بها أو منعها.
العويجة لا تطلب أكثر من أن تكون حيّاً من أحياء حلب، لا حيّاً منسياً على هامشها.