السماح بتصدير الأغنام ليس جريمة اقتصادية، وحماية المربين ليست تهمة. لكن أن تُفتح أبواب التصدير بينما لا يعرف الرأي العام كم يبلغ حجم القطيع السوري أصلاً، وكم رأساً يُصدَّر، وكم يخرج تهريباً، وكم تحتاج السوق المحلية، فهذه ليست سياسة زراعية رشيدة، بل مغامرة بثروة حيوانية وبغذاء المواطنين.
وزير الزراعة باسل السويدان يقول إن التصدير ضروري لحماية المربين وضمان استمرارهم في تربية الأغنام، وإن الوزارة تستطيع وقف التصدير إذا تسبب بارتفاع الأسعار محلياً. هذا الكلام يبدو منطقياً في ظاهره، لكنه يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: على أي أرقام ستقرر الوزارة أن الأسعار ارتفعت بسبب التصدير؟
المفارقة أن البيانات الرسمية المنشورة لا تقدم صورة واضحة وحديثة عن حجم القطيع، ولا سلسلة شفافة تبين كميات الأغنام التي خرجت من البلاد خلال السنوات الأخيرة. وحتى بيانات التجارة الدولية تكشف جانباً فقط من الصورة؛ إذ سجلت الدول المستوردة في 2024 ما لا يقل عن 318,901 رأس من الأغنام السورية إلى الكويت والأردن وتركيا والسعودية والعراق، وفق بيانات تجارية دولية، مع التأكيد أن هذا الرقم حد أدنى وليس بالضرورة إجمالي الصادرات السورية إلى العالم.
وفي المقابل، ارتفعت أسعار لحم الغنم خلال الأشهر الماضية إلى مستويات باتت معها اللحوم الحمراء خارج قدرة شريحة واسعة من السوريين. وفي أيار الماضي، تحدثت تقارير عن وصول سعر كيلو الغنم الحي إلى نحو 90–95 ألف ليرة، مقابل 50–55 ألفاً في الفترة نفسها من العام السابق. ومع كل ارتفاع جديد، يتقلص عدد الأسر القادرة على شراء اللحوم، بينما يصبح الحديث عن زيادة الصادرات أكثر حساسية.
هنا تحديداً يجب أن تكون الأولوية: لا يجوز إدارة سلعة غذائية أساسية بمنطق «نصدر ما نستطيع، ثم نراقب السعر». المطلوب هو العكس تماماً؛ تحديد احتياجات السوق المحلية أولاً، ثم حساب الفائض الحقيقي القابل للتصدير.
والأخطر من التصدير الرسمي هو التهريب. فالأغنام التي تخرج عبر الحدود بعيداً عن السجلات تستنزف القطيع ولا تظهر بالضرورة في أرقام التجارة، وتقلل المعروض المحلي، وتحرم الدولة من معرفة حجم النزف الحقيقي في ثروتها الحيوانية. وإذا كانت الوزارة لا تملك رقماً دقيقاً لحجم القطيع، فكيف يمكنها أن تعرف مقدار ما يمكن تصديره دون الإضرار بالثروة الحيوانية؟
حماية المربي يجب أن تبدأ من تكلفة الإنتاج، لا من تحميل المستهلك فاتورة التصدير. خفض أسعار الأعلاف، تأمين مستلزمات التربية، مكافحة التهريب، حماية المراعي، وتوفير تمويل مناسب؛ كلها أدوات أكثر استدامة من تعويض المربي عبر رفع سعر اللحوم على المواطن.
نحن بحاجة إلى معادلة واضحة؛ مربٍّ يربح ويزيد قطيعه، ومستهلك يستطيع شراء اللحوم، وثروة حيوانية تنمو بدل أن تستنزف.
أما الاستمرار في التصدير بلا أرقام معلنة، وبلا تقدير دقيق لحجم القطيع، وبلا احتساب جدي للتهريب، فهو يعني أن الدولة تدير أهم ثروة حيوانية لديها وهي لا ترى كامل الصورة.
قبل أن تقول لنا الحكومة: «صدّروا»، عليها أن تجيب ببساطة عن أربعة أسئلة:
كم رأس غنم لدينا؟ كم رأساً نحتاج للسوق المحلية؟ كم رأساً خرج رسمياً؟ وكم رأساً خرج تهريباً؟
من دون هذه الأرقام، لا يمكن أن نعرف إن كان التصدير يحمي القطيع فعلاً... أم يسرع استنزافه.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تكون المعادلة «مربٍّ رابح مقابل مستهلك خاسر». الدولة القادرة على إدارة قطاعها الزراعي هي التي تجعل المربي قادراً على الاستمرار، والقطيع قادراً على النمو، والمواطن قادراً على شراء كيلو اللحم دون أن يتحول إلى سلعة فاخرة.