Skip to main content

«دمشق تتنفس...» بهرجة التجربة وتجاهل المصالح والضرورات!

 |   رشا عيد  |  محليات

في صبيحة الحادي والثلاثين من آب الماضي، استيقظت دمشق القديمة على مشهد لم تألفه منذ عقود، فشوارعها وأزقتها تخلو من صخب السيارات وضجيج الدراجات النارية، في تجربة أطلقتها محافظة دمشق، ووصفت بأنها الأولى من نوعها حاملة عنواناً براقاً «دمشق تتنفس».

وفجأة، بدت المدينة كما لم تكن: هادئة، نقية، تكشف عن تفاصيلها العمرانية التي طالما طمرها الزحام طويلاً تحت طبقات من العوادم والضجيج.
لكن هل كان هذا الهدوء ثمناً باهظاً دفعه آخرون؟ وهل كانت «دمشق تتنفس» حقاً، أم إنها كانت تتثاءب تحت وطأة قرار اُتخذ من فوق، دون أن يسأل أحد سكانها وتجارها إن كانوا هم أيضاً قادرين على التنفس؟!
 لا يختلف اثنان على أن دمشق القديمة تستحق أن تُرى وتُعاش، لا أن تُركن فيها السيارات على حساب المارة، فقد عبّر سكان عن ارتياحهم لرؤية الأحياء التي اعتادوا رؤيتها مزدحمة بالسيارات خالية من الضجيج، ولكن نجاح الفعالية يجب ألّا يقاس بعدد السيارات التي مُنعت، بل بتحسن تجربة السكان والزوار وتأثيرها في البيئة والسياحة.
والسؤال الأهم: ماذا عن أولئك الذين لا يستطيعون المشي؟ أي عن كبار السن وذوي الهمم والأطفال؟ وعن التجار الذين تعتمد حركة بضائعهم على وصول السيارات؟
 فكرت الجهات المنظمة بذلك ووفرت سيارات كهربائية لنقل كبار السن وذوي الإعاقة والأطفال، وهي خطوة تستحق الثناء، لكنها تبقى حلقة في سلسلة من التحديات الأكبر، فما قيمة بضع سيارات كهربائية في مدينة تمتد أزقتها وشوارعها على مساحة شاسعة، وتضم آلاف المحال التجارية ومئات المنازل؟ وكيف يمكن لهذه الوسائل أن تعوض غياب وسائل النقل العام، أو تنقل البضائع لأصحاب الفعاليات الاقتصادية، أو تخدم سكان المنطقة في احتياجاتهم اليومية؟!
إنه حل ترقيعي يفضح غياب الرؤية الاستراتيجية، كما أن منع السيارات من المنطقة أدى إلى خلق ازدحام أكبر في المناطق المجاورة التي لم يشملها الحظر، وكأن المشكلة نُقلت من مكان إلى آخر بدلاً من حلها.
 المشكلة ليست في الفعالية نفسها، بل في النظرة القاصرة التي تتعامل مع دمشق القديمة كمجرد «منطقة سياحية» تحتاج إلى تنفس، متناسية أنها قلب دمشق الاقتصادي والتجاري والخدمي النابض.
حيث أقر مدير مديرية دمشق القديمة «أمجد فرخ» بأن صعوبة وصول بعض السكان إلى منازلهم كانت من أبرز التحديات التي ظهرت وغيرها الكثير، مما يكشف أن القرار اُتخذ دون دراسة كافية لاحتياجات سكان المنطقة.
إن كانت هذه التجربة مجرد اختبار، فلماذا نتعامل معها وكأنها مشروع متكامل؟! الإجابة ببساطة، لأن التحول إلى منطقة خالية من السيارات بشكل دائم يتطلب ترتيبات تتجاوز مجرد إغلاق المداخل، كما يتطلب تخطيطاً عمرانياً وبرنامجاً زمنياً محدداً وواضحاً ووسائل نقل بديلة غير مكلفة، لا مجرد مركبات كهربائية صغيرة أو عربات سياحية لا تكفي ولا تغني.
والأهم، يتطلب مشاركة حقيقية للسكان والتجار، لا فرض قرارات من فوق.


 ماذا بعد؟


إذا كانت «دمشق تتنفس» خطوة في اتجاه إعادة التفكير بعلاقة المدينة التاريخية بوسائل النقل، فهي خطوة على طريق طويل، لا تزال بحاجة إلى مئات الخطوات الأخرى، ولا يمكن اختصار حل مشكلة عمرانية وخدمية واقتصادية معقدة في يوم واحد بلا سيارات، مهما كان براقاً عنوانه.
المطلوب اليوم ليس الاحتفاء بتجربة منفصلة عن الواقع، بل العمل الجاد على دراسة علمية شاملة تتضمن قياسات دقيقة، واستطلاع آراء حقيقي، وخطط عملية وإرادة سياسية لتحويل دمشق القديمة إلى مدينة تتنفس حقاً، بكل من فيها؛ سكانها وتجارها وزوارها على حد سواء، وإلا فستبقى الفعالية مجرد «نفس» واحد، سرعان ما يعود الاختناق من بعده.