لم يعد مقبولاً أن يستمر المواطن السوري، وأصحاب الأجور منهم بشكل خاص، في معاناة يومية للحصول على أموالهم المودعة في حساباتهم عبر «شام كاش». فالمشكلة لم تعد في الانتقال من النقد إلى الدفع الإلكتروني، بل في أن المواطن يجد نفسه أمام مفارقة لا يمكن تبريرها؛ راتبه موجود في حسابه، لكنه لا يستطيع الوصول إليه متى أراد، وبالمبلغ الذي يحتاجه.
السؤال هنا واضح: من المسؤول؟
«شام كاش» لا تستطيع أن تتعامل مع المشكلة باعتبارها مجرد شأن يخص شركات الصرافة والتحويل. فطالما أن المنظومة تعمل باسمها وتحت مظلتها، وطالما أن ملايين المواطنين يعتمدون عليها للوصول إلى رواتبهم وأموالهم، فإن مسؤوليتها تقتضي ضمان قدرة الشبكة على تنفيذ عمليات السحب بصورة عادلة ومنتظمة، لا الاكتفاء بتبرير العجز بنقص السيولة أو اختلاف السقوف بين شركة وأخرى.
أما مصرف سورية المركزي، فمسؤوليته أكبر، لأنه الجهة الناظمة للقطاع المالي والدفع الإلكتروني. لا يجوز أن تبقى سقوف السحب الفعلية غامضة، ولا أن يترك المواطن أمام تعليمات تختلف من منفذ إلى آخر. المطلوب قرار واضح: ما هو حق صاحب الحساب؟ وما الحد الذي يمكن تقييده؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يكون المال متاحاً إلكترونياً ولا يستطيع صاحبه الحصول عليه نقداً؟
وإذا كانت المشكلة هي السيولة، فالسؤال يتجه مباشرة إلى وزارة المالية أيضاً. فالوزارة التي تدفع الرواتب إلكترونياً مطالبة بأن تضمن وصول الراتب إلى صاحبه وصولاً فعلياً، لا أن تعتبر المهمة انتهت بمجرد تحويل الرقم إلى حساب إلكتروني. دفع الراتب لا يعني وضعه على شاشة الهاتف؛ دفع الراتب يعني تمكين الموظف من استخدامه.
أما المواطن، فلا علاقة له بمشكلة السيولة ولا بإدارة النقد بين الشركات ولا بمشكلات الربط والتسويات المالية. إنه ليس شريكاً في هذه المشكلات حتى يتحمل نتائجها. لا يجوز أن يُطلب منه العودة غداً، أو البحث عن مكتب آخر، أو الاكتفاء بمبلغ تحدده قدرة الصراف على توفير النقد.
والأخطر من ذلك أن تتحول «سقوف السحب» إلى أمر واقع بلا سند واضح. إذا كان هناك سقف رسمي، فليُعلن صراحة وبقرار منشور. وإذا لم يكن هناك سقف رسمي، فمن غير المقبول أن تفرضه بعض الشركات على المواطنين من تلقاء نفسها.
المطلوب من «شام كاش» والمصرف المركزي ووزارة المالية ليس إصدار المزيد من التصريحات، بل حل المشكلة وضمان حق المواطن.
فصاحب الراتب لا يريد امتيازاً. يريد ماله. والمواطن الذي عمل شهراً كاملاً ليستلم راتبه، لا ينبغي أن يُقال له إن أمواله موجودة، ولكن السيولة غير موجودة.
هذه ليست مشكلته. ومن غير المقبول أن تتحول أموال المواطن إلى أرقام متاحة على الشاشة، وممنوعة في اليد. فالراتب حق، والوصول إلى الرصيد حق، وحماية هذا الحق مسؤولية «شام كاش» والمصرف المركزي ووزارة المالية، كل من موقعه.