يُعد تدني الأجور من أبرز التحديات التي تواجه عمال النظافة، إذ لا يتجاوز الراتب الشهري الحد الأدنى للأجور بعد الزيادة الأخيرة، مع إضافة بدل طبيعة عمل يعادل الراتب نفسه. ورغم هذه الزيادة، إلا أن قيمتها الشرائية تنهار أمام موجة التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل جنوني؛ حيث لا يكفي هذا الدخل لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش.
وتتجسد المأساة بشكل أوضح في قيمة التعويضات الغذائية، التافهة حقاً، والمقررة قانوناً للعمال. فلم تغير الجهات الرسمية حتى اليوم المبلغ المقرر عام 2020 لتأمين وجبة غذائية تتكون من ربع كيلو حليب وبيضتين، بهدف «حماية» مناعة العامل وتعزيز صحته. وهذا المبلغ (300 ليرة قديمة) لا يحمل أي قيمة شرائية، وبالكاد يغطي 3% من القيمة الفعلية لهذه المواد الغذائية في الأسواق اليوم!
ظروف عمل خطيرة
تبدأ نوبة العمل اليومية في ساعات مبكرة جداً، وفي مختلف الظروف الجوية، من الحر القائظ إلى الشتاء القارس، ويفتقر العمال إلى أدنى معدات السلامة والوقاية.
ونتيجة النقص الحاد في المعدات والآليات، يضطر العمال في كثير من الأحيان إلى جمع القمامة وترحيلها بطرق بدائية، معرضين أنفسهم لكل أنواع المواد السامة والأمراض التنفسية والجلدية.
ومع ذلك، لا تتوفر لهم الرعاية الصحية اللازمة، ولا التعويضات المناسبة عن الأضرار المهنية.
ضعف الأجور وعجز في الكوادر يدفع ثمنه من بقي في المهنة
تسبب ضعف الأجور وفقدان قيمة التعويضات في أزمة حادة داخل البلديات والمحافظات، أبرز ملامحها: موجة استقالات كبيرة. حيث يفضل آلاف العمال تقديم استقالاتهم رسمياً، أو ترك العمل لتجاوز قيمة الجهد المبذول الراتب والتعويضات المقبوضة.
ويتجه معظمهم نحو العمل في مهن حرة وغير منظمة، أو نحو جمعيات ومنظمات دولية تمنح أجور مياومة مرتفعة مقارنة بالقطاع العام.
والنتيجة، هي نقص حاد وعجز بالكوادر؛ فبلدات بأكملها في ريف دمشق لا تضم سوى 10 أو 15 عاملاً فقط من أصل 50 عاملاً تحتاجهم لتغطية الأحياء.
فيما أغلب العمال الباقين في الخدمة حالياً يقتربون من سن التقاعد، بينما يعزف الشباب تماماً عن التقدم لهذه الوظائف بالرواتب الحالية، ما يهدد بتوقف شريان النظافة خلال سنوات قليلة فقط.
تداعيات تأخر الرواتب
لا يقتصر الأمر على تدني الأجور، فالقطاع على ما يبدو يعاني أزمة تأخر مزمنة في صرف المستحقات. ففي مدن عدة يمتد التأخر في الصرف إلى ثلاثة أشهر وخمسة أشهر؛ فيجد العمال أنفسهم يعملون بلا أجر، مجبرين على مواجهة متطلبات الحياة اليومية بجيوب فارغة.
وقد دفع هذا الواقع بالغالبية من العمال إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، وتحولت «الإكراميات» التي يقدمها المواطنون، بالإضافة إلى جمع النفايات القابلة للتدوير (البلاستيك والورق) إلى شريان حياة رئيسي.
ويعترف بعض العمال بمرارة بأنه «لولا الإكراميات، والعمل الإضافي لما استطعنا العيش».
تصاعد الاحتجاجات
العمال لم يستطيعوا تحمل هذا الظلم المتراكم، وخرجوا إلى الشوارع حاملين مطالب واضحة. وتعود بداية التحركات إلى منتصف أيار، حين نفّذ عشرات العمال في مدينة الرقة إضراباً واسعاً للمطالبة بصرف رواتبهم المتأخرة، مؤكدين: أن الظروف المعيشية أصبحت تفوق قدرتهم على الاحتمال.
وفي بداية شهر آب، انضم لهم عمال النظافة في معبر نصيب الحدودي، احتجاجاً على تدني الأجور، وسوء المعاملة، مطالبين بتحسين ظروف العمل، وصرف مستحقاتهم المتأخرة.
هذه الاحتجاجات المتفرقة والإضرابات، تنذر بتوسع رقعة الاحتجاج العمالي، وترسم صورة واضحة لحالة احتقان شاملة، تعكس انهيار السياسات الاقتصادية وقصورها عن تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
المطالب النقابية... لا حياة لمن تنادي
وضع مؤتمر نقابة عمال الدولة والبلديات توصيات عاجلة منذ شهر آذار هذا العام، ركزت على ضرورة وضع خطة استراتيجية تتناسب مع الوضع المعيشي، وأبرزها: رفع الرواتب، ورفع قيمة الوجبة الغذائية إلى قيمتها السوقية الحقيقية.
كذلك طالبت التوصيات بتحديث التأمين الصحي للعمال، وإدخال أفراد أسرهم تحت المظلة الصحية، مع إلزام شركات التأمين بتقديم العلاجات السنية والنظارات الطبية، وتثبيت العقود المؤقتة، وإعادة تأهيل السكن العمالي، وتفعيل دور اللجان النقابية في الدفاع عن حقوق العمال.
وبعد أكثر من 5 أشهر بقيت هذه المطالب والتوصيات أسيرة إرادة سياسية عاجزة عن التجاوب مع حجم المسؤولية.
وفي النهاية يستمر عمال النظافة في حمل نظافة المدن والبلدات على عاتقهم، في وقت تتخلى عنهم الدولة، وتكتفي بتغيير مسماهم الوظيفي إلى «مهندسي نظافة»، وكأن ذلك ردٌّ للحقوق، واستجابة للمطالبات، متناسية أن «المظهر الحضاري» الذي تروج له، هم خط الدفاع الأول عنه.