أثار قرار محافظة دمشق إزالة المولدات الكهربائية الموجودة في الشوارع والأرصفة والأملاك العامة نقاشاً واسعاً حول انعكاساته على المدينة وسكانها والقطاعات التجارية والخدمية. فقد منحت المحافظة أصحاب المولدات، المرخصة وغير المرخصة، مهلة لإزالتها من الأملاك العامة، في خطوة تهدف إلى تنظيم إشغالات الشوارع وتحسين المظهر العام وتعزيز السلامة المرورية والبيئية.
ويأتي القرار في وقت أصبحت فيه المولدات جزءاً من المشهد اليومي في دمشق، بعد سنوات اعتمد خلالها السكان والمنشآت التجارية والخدمية على مصادر الطاقة البديلة لمواجهة عدم انتظام التغذية الكهربائية.
ومن حيث المبدأ، تبدو الحاجة إلى تنظيم وجود المولدات في المدينة أمراً مشروعاً. فقد أدى انتشارها في عدد من الشوارع إلى إشغال الأرصفة والمساحات العامة، ورافق ذلك في بعض الحالات تمديد كابلات بصورة غير منظمة، فضلاً عن الضجيج والعوادم ومخاطر الوقود والكهرباء.
ومن حق المدينة أن تستعيد أرصفتها، ومن حق السكان أن يستخدموا الشوارع والممرات العامة بصورة آمنة، كما أن الحد من مصادر التلوث والضجيج وتحسين المشهد الحضري أهداف لا خلاف على أهميتها.
لكن الجانب الآخر من القرار يحتاج إلى دراسة دقيقة، لأن المولدات لم تعد بالنسبة إلى كثير من أصحاب الأعمال مجرد معدات موضوعة في الشارع، بل أصبحت جزءاً من منظومة تشغيل أساسية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.
الكهرباء شرط لاستمرار النشاط الاقتصادي
بالنسبة إلى المطاعم ومحال الأغذية والسوبرماركت والملاحم ومحال الألبان والأجبان والمستودعات المبردة وغيرها من الأنشطة، تمثل الكهرباء عنصراً أساسياً لاستمرار العمل.
فالبرادات والفريزرات تحتاج إلى تغذية مستقرة، كما تحتاج المطاعم والمنشآت الخدمية إلى الكهرباء لتشغيل المعدات وأنظمة التبريد والتهوية والمضخات وغيرها من التجهيزات.
وأي انقطاع طويل أو غير منتظم لا يعني مجرد توقف الإنارة، بل قد يؤدي إلى تلف مواد غذائية وخسائر مالية، أو إلى توقف جزء من النشاط، وربما اضطرار بعض المنشآت إلى تقليص ساعات عملها.
ولهذا فإن القلق لدى أصحاب هذه المنشآت لا يتعلق بالضرورة ببقاء المولدة على الرصيف، وإنما بالسؤال الأهم: ما هو البديل الذي سيضمن استمرار الكهرباء بعد إزالة المولدة؟ وهنا تكمن حساسية القرار.
الطاقة الشمسية... حل مهم لكنه ليس متاحاً للجميع
تبدو الطاقة الشمسية أحد الحلول الأكثر استدامة على المدى الطويل، وهي بالفعل خيار يستحق التشجيع والتوسع. لكنها في الوقت نفسه ليست حلاً فورياً لجميع المنشآت.
فالمنشأة التجارية التي تحتاج إلى تشغيل عدة برادات وفريزرات ومكيفات ومعدات كهربائية قد تحتاج إلى منظومة كبيرة من الألواح وبطاريات للتخزين وتجهيزات إضافية، فضلاً عن مساحة مناسبة على سطح البناء.
وفي الأبنية التي تتشارك فيها عدة أسر أو منشآت في ملكية السطح، قد لا تكون المساحة المتاحة كافية لتلبية احتياجات الجميع. كما أن كلفة إنشاء منظومة قادرة على تغطية أحمال كبيرة قد تكون مرتفعة بالنسبة إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
لذلك فإن الانتقال إلى الطاقة الشمسية يجب أن يكون جزءاً من خطة تدريجية، وليس افتراضاً بأن جميع المنشآت قادرة على تنفيذ هذا الانتقال فوراً.
نقل المولدات إلى أماكن خاصة... خيار قابل للتطبيق
من الحلول الممكنة نقل المولدات من الأرصفة والشوارع إلى مواقع خاصة ومنظمة، خصوصاً للمولدات التي ما زالت هناك حاجة فعلية إليها.
وهذا الحل قد يحقق توازناً بين هدف المحافظة في تحرير الأملاك العامة، وحاجة المنشآت إلى مصدر طاقة احتياطي.
لكن نقل المولدات لا ينبغي أن يتم بصورة عشوائية. فالموقع الجديد يجب أن يراعي شروط السلامة والتهوية والتعامل مع الوقود والعوادم والضجيج، وألا يتحول نقل المولدة من الشارع إلى العقار الخاص إلى مصدر جديد للإزعاج أو الخطر على السكان.
وقد يكون من المفيد التفكير في إنشاء مواقع منظمة ومجهزة تستضيف مولدات تخدم مجموعة من المنشآت في منطقة واحدة، بدلاً من وجود مولدة منفصلة أمام كل محل.
وماذا عن أصحاب المولدات؟
أصحاب المولدات هم أيضاً طرف متأثر بالقرار. فهناك مولدات تم شراؤها باستثمارات كبيرة، وهناك أصحاب مولدات مرخصة دفعوا رسوماً والتزموا بإجراءات تنظيمية في مراحل سابقة.
ومن الطبيعي أن يثير ذلك تساؤلات حول مصير الاستثمارات القائمة، خصوصاً إذا تعذّر نقل المولدة إلى مكان
مناسب أو لم يعد تشغيلها ممكناً بالشكل السابق.
ومن المهم في هذه الحالة أن تكون الإجراءات المتعلقة باسترداد رسوم الترخيص أو تسوية أوضاع المولدات واضحة وعادلة، وأن تراعي حقوق أصحاب الاستثمارات المرخصة، بالتوازي مع تطبيق القانون على المولدات المخالفة.
المستهلك قد يدفع جزءاً من الكلفة
لا ينبغي أن يقتصر النقاش على المحافظة وأصحاب المولدات والمنشآت. فالمستهلك هو طرف أساسي في هذه المعادلة.
إذا ارتفعت كلفة الكهرباء على المطاعم والمتاجر والمنشآت الغذائية، فمن المحتمل أن ينعكس جزء من هذه الزيادة على أسعار السلع والخدمات. وإذا أدت مشكلة الطاقة إلى تقليص ساعات العمل أو انخفاض الإنتاج، فقد يتأثر النشاط التجاري وفرص العمل.
لكن في المقابل، فإن المواطن يستفيد من إزالة المولدات إذا أدت إلى تحرير الأرصفة وتقليل الضجيج والعوادم وتحسين السلامة والمظهر العام.
وبالتالي فإن المواطن قد يكون مستفيداً من القرار من الناحية العمرانية والبيئية، لكنه قد يتحمل جزءاً من كلفته الاقتصادية إذا لم يتوافر البديل الكهربائي المناسب.
المطلوب تنظيم المولدات لا تجاهل الحاجة إليها
إن نجاح القرار يتطلب النظر إليه باعتباره عملية انتقال من واقع استثنائي فرضته أزمة الكهرباء إلى منظومة أكثر تنظيماً واستدامة.
ولا يبدو أن الخيار الأفضل هو الإبقاء على المولدات في الشوارع، كما أن إزالتها بصورة مفاجئة من دون تأمين البدائل قد تخلق مشكلات اقتصادية جديدة.
الحل الأكثر توازناً يمكن أن يقوم على منح المنشآت التي تحتاج إلى طاقة مستمرة فترة انتقالية مناسبة، وتنظيم مواقع خاصة للمولدات التي لا يمكن الاستغناء عنها فوراً، وتسهيل تركيب الطاقة الشمسية، وتشجيع الحلول المشتركة التي تخدم مجموعة من المنشآت.
كما يمكن اعتماد معايير واضحة تحدد المنشآت التي تحتاج إلى حماية خاصة بسبب طبيعة نشاطها، وفي مقدمتها المنشآت الغذائية والمستودعات المبردة وبعض الأنشطة التي يؤدي انقطاع الكهرباء فيها إلى خسائر مباشرة.
بين حق المدينة وحق الاقتصاد
لا يوجد تعارض حتمي بين مدينة منظمة واقتصاد نشط. فمن حق محافظة دمشق أن تنظّم استخدام الأملاك العامة، ومن حق السكان أن يعيشوا في بيئة أكثر نظافة وهدوءاً وأماناً. وفي المقابل، من حق أصحاب المنشآت أن تتوافر لهم حلول عملية تمكنهم من الاستمرار في العمل، خصوصاً عندما تكون الكهرباء جزءاً أساسياً من نشاطهم.
ولهذا فإن نجاح القرار لا ينبغي أن يقاس بعدد المولدات التي ستختفي من شوارع دمشق فقط، وإنما بقدرة المدينة على الانتقال إلى مرحلة أكثر تنظيماً من دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي.
فالهدف النهائي ليس الدفاع عن المولدات، ولا الإبقاء عليها في الأرصفة، وإنما الوصول إلى وضع تصبح فيه المولدة في الشارع غير ضرورية أصلاً، لأن البديل الكهربائي الآمن والمستقر أصبح متاحاً.
دمشق تحتاج إلى أرصفة أكثر تنظيماً، وبيئة أفضل، واقتصاد قادر على الاستمرار. والتحدي الحقيقي هو تحقيق هذه الأهداف الثلاثة معاً، بحيث لا تتحول معالجة مشكلة عمرانية إلى مشكلة اقتصادية جديدة.