مع اقتراب العام الدراسي 2026–2027، يبدو أن طلاب الجامعات الخاصة وذويهم أمام موسم جديد من ارتفاع الأقساط، لكن اللافت هذه المرة ليس مجرد ارتفاع الأسعار، بل حجم الزيادة الفعلية بعد احتساب أثر تغيير العملة وسعر الصرف.
فالمقارنة الاسمية بين الليرة القديمة والجديدة قد تكون مضللة. بعد حذف صفرين من العملة، يجب قياس الرسوم بالدولار وفق سعر السوق الموازي لمعرفة ما إذا كانت الزيادة ناتجة عن تغيير العملة أم إنها زيادة حقيقية في كلفة التعليم. وبحسب سعر السوق الموازي في 28 آب، تراوح الدولار حول 131–131,5 ليرة جديدة.
الأرقام المنشورة حتى الآن تكشف زيادات يصعب تبريرها باعتبارها مجرد انعكاس للتضخم أو لتغيير العملة.
في جامعة إيبلا الخاصة، كان رسم ساعة الصيدلة للطلاب السوريين في العام السابق 45 دولاراً، بينما أصبح في العام الدراسي المقبل 20 ألف ليرة جديدة. أي ما يعادل نحو 152 دولاراً وفق سعر السوق الموازي الحالي؛ بمعنى أن القيمة الدولارية للساعة ارتفعت أكثر من ثلاثة أضعاف. وفي الهندسة المعلوماتية ارتفعت من 30 دولاراً إلى 13,500 ليرة جديدة، أي نحو 103 دولارات للساعة.
وفي جامعة الجزيرة، تبلغ ساعة الصيدلة في العام المقبل 11 ألف ليرة جديدة، أي قرابة 84 دولاراً، مقابل 40 دولاراً في العام السابق. أما الهندسة المعلوماتية والعمارة، فتبلغ الساعة 8 آلاف ليرة، أي نحو 61 دولاراً، مقابل 30 دولاراً سابقاً. وهذه زيادة تتجاوز بكثير مجرد تغير سعر الصرف.
الصورة لا تختلف كثيراً في جامعة الشهباء. فقد حُددت ساعة طب الأسنان بـ 16,300 ليرة جديدة، والهندسة المعلوماتية بـ13 ألفاً، وإدارة الأعمال بـ6500 ليرة. وتقدر الجامعة نفسها متوسط الكلفة السنوية بـ586,800 ليرة للأسنان و468 ألفاً لهندسة المعلومات.
أما جامعة الشمال، فتبلغ ساعة الهندسة المعلوماتية 10,800 ليرة جديدة، في حين تشير الجداول المنشورة إلى أسعار مرتفعة أيضاً في الاختصاصات الطبية والهندسية.
المشكلة هنا ليست في مبدأ تعديل الرسوم؛ فمن الطبيعي أن تتأثر الجامعات بتكاليف الرواتب والتجهيزات والمخابر والطاقة والخدمات. لكن الزيادة التي تتضاعف فيها القيمة الدولارية للساعة مرتين أو ثلاث مرات تحتاج إلى تفسير واضح وشفاف. ما هي التكاليف التي ارتفعت بهذه النسبة؟ وهل تحسنت أجور الأساتذة والخدمات والبنية التعليمية بالنسبة نفسها؟ وهل توجد آلية رقابية تضمن ألّا تتحول حاجة الجامعات إلى تغطية نفقاتها إلى تحميل الأسر كامل العبء؟
والأهم أن هذه الأرقام لا تمثل الصورة النهائية بعد. فالجامعات الخاصة لم تعلن جميعها رسوم العام الدراسي 2026–2027 حتى الآن، وبالتالي فإن إصدار حكم شامل على القطاع بأكمله لا يزال مبكراً. لكن المؤشرات التي ظهرت حتى الآن كافية لإثارة سؤال مشروع: هل نحن أمام تصحيح حقيقي للتكاليف، أم أمام فرصة لرفع الأقساط إلى مستويات جديدة مستفيدين من ارتباك الانتقال إلى العملة الجديدة؟
الجامعة الخاصة ليست مؤسسة خيرية، لكنها أيضاً مؤسسة تعليمية يفترض أن تكون أسعارها قابلة للفهم والتبرير. ومن حق الطالب وذويه أن يعرفوا لماذا ارتفعت ساعة دراسية من 30 أو 40 دولاراً إلى ما يعادل 60 أو 100 أو حتى 150 دولاراً، لا أن يكتفوا بجدول رسوم جديد مكتوب بالليرة.
ما يحدث يستدعي تدخلاً من وزارة التعليم العالي، ليس لفرض خسائر على الجامعات، وإنما لإلزامها بالشفافية وتبرير الزيادات ونشر مكونات الكلفة، وربط أي زيادة حادة بمؤشرات اقتصادية وتعليمية واضحة.
فالجامعات الخاصة في سورية لم تكن يوماً خياراً متاحاً لمعظم الأسر، بل كانت منذ نشأتها امتيازاً طبقياً لا يقدر عليه إلا من يمتلك قدرة مالية تفوق متوسط دخل الأسرة السورية. غير أن الزيادات المطروحة للعام الدراسي المقبل تدفع هذا الامتياز إلى مستوى أكثر حدة؛ إذ تهدد بتحويل التعليم الجامعي الخاص من امتياز لأبناء الميسورين إلى خيار محصور بنخبة النخبة من أبناء الأثرياء.
وفي بلد تتآكل فيه القدرة الشرائية للأسر عاماً بعد عام، يصبح رفع الرسوم بهذه النسب أكثر من مجرد قرار مالي، إنه قرار يعيد رسم خريطة الوصول إلى التعليم، ويجعل القدرة على دفع القسط عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الطالب. وإذا لم تقترن هذه الزيادات بتبرير شفاف ورقابة حقيقية، فإن السؤال لن يعود: «كم أصبح القسط؟»، بل «من بقي قادراً على دفعه؟».