لم يكن قرار مجلس التعليم العالي رقم /688/ الصادر بتاريخ 8/8/2026 مجرد إجراء إداري لتنظيم مقاعد الدراسات العليا الطبية الموحدة في الجامعات الحكومية؛ بل بدا لكثير من طلاب الكليات الطبية وكأنه إعادة رسم لخريطة المنافسة على الاختصاص، بحيث لم تعد الكفاءة وحدها هي العنوان، وإنما أصبحت الجامعة التي تخرج منها الطالب عاملاً حاسماً في حجم الفرصة التي يحصل عليها.
القرار، الذي استند في حيثياته إلى أحكام قانون تنظيم الجامعات رقم /6/ لعام 2006 ولائحته التنفيذية، وإلى النظام الداخلي لمجلس التعليم العالي، وما أقره المجلس في جلسته بتاريخ 1/8/2026، نص على توزيع المقاعد بنسبة 70% لخريجي الجامعة الأم، و20% لخريجي الجامعات التي لا يوجد فيها مشفى جامعي، و10% لباقي الجامعات التي يوجد فيها مشفى جامعي، باستثناء الجامعة الأم، مع إضافة نسبة 10% من عدد المقاعد الأساسي لصالح خريجي جامعتي إدلب وحلب في المناطق المحررة سابقاً.
لكن خلف هذه النسب الجامدة، ثمة أسئلة أكبر من مجرد آلية توزيع مقاعد.
«لماذا أدفع ثمن أنني تخرجت من جامعة لا أملك القدرة على تغيير واقعها؟» هكذا يختصر أحد الطلاب جوهر الاعتراض. فالطالب لم يختر عدد الأسرة في المشفى الجامعي، ولم يحدد عدد الحالات التي يستقبلها، ولم يقرر عدد أعضاء الهيئة التدريسية أو تنوع الاختصاصات المتاحة فيه. ومع ذلك، يجد نفسه أمام نظام قد يجعل فرصته في الدراسات العليا مرتبطة بهذا الواقع.
والسؤال الذي يكرره الطلاب أكثر من غيره: إذا كانت المشافي التعليمية في المحافظات غير متساوية في الإمكانات والقدرة الاستيعابية، فكيف تصبح نسبة الـ70% قاعدة واحدة للجميع؟
فخريج جامعة تضم مشفى جامعياً ضخمًا وتتوفر فيه حالات سريرية متنوعة وإمكانات تدريبية واسعة، ليس بالضرورة في الظروف نفسها التي يعيشها خريج جامعة أخرى ذات إمكانات أكثر محدودية. وإذا كانت الوزارة تدرك أصلاً وجود فروق بين الجامعات، بدليل تخصيصها حصة مستقلة للجامعات التي لا يوجد فيها مشفى جامعي، فلماذا لا تنظر بصورة أوسع إلى جودة التدريب الفعلية بدل الاكتفاء بتصنيف الجامعات وفق وجود المشفى من عدمه؟
الطلاب لا يعترضون على مبدأ إعطاء الجامعة الأم أولوية محدودة، بقدر ما يعترضون على تحويل هذه الأولوية إلى 70% من المقاعد. فماذا يعني ذلك لطالب متفوق يريد الانتقال إلى جامعة أخرى؟ قد يحصل على معدل مرتفع ونتيجة ممتازة في المفاضلة، لكنه يدخل منافسة على حصة لا تتجاوز 10%، بينما ينافس زميله من الجامعة الأم ضمن حصة تصل إلى 70%.
وهنا تظهر المشكلة بوضوح؛ هل نحن أمام مفاضلة بين الطلاب، أم مفاضلة بين الجامعات؟
الطالب يريد أن ينافس زميله على أساس معدله، أدائه، ترتيبه، ونتيجته في الامتحان، لا على أساس عنوان الجامعة المكتوب على شهادته. وإذا كانت الجامعة الأم قادرة فعلًا على تقديم تدريب أفضل، فالحل ليس في إغلاق أبواب المنافسة أمام خريجي الجامعات الأخرى، بل في رفع مستوى التدريب في جميع الجامعات.
يقول طالب آخر، في اعتراض يعكس جانباً أساسياً من القضية: «وفروا لنا أولاً ظروف التدريب نفسها، ثم اطلبوا منا ألا ننتقل.» وهي عبارة تختصر جوهر الإشكالية؛ إذ لا يمكن مطالبة الطالب بأن يبقى في جامعته تحت شعار دعم الجامعة الأم، ثم تحميله تبعات التفاوت في الإمكانات التي لم يكن مسؤولاً عنها أصلاً.
كما أن حماية الجامعات من هجرة خريجيها لا ينبغي أن تأتي على حساب حق الطالب في اختيار البيئة التعليمية التي يرى أنها الأنسب لتخصصه. الجامعة ليست ملكية جغرافية، والطبيب الذي أنهى دراسته الجامعية لا ينبغي أن تتحول محافظته أو جامعته إلى سقف دائم لطموحه الأكاديمي.
إن أخطر ما في القرار ليس نسبة الـ70% بحد ذاتها، وإنما الرسالة التي قد يفهمها الطالب منها؛ مكان تخرجك قد يكون أهم من ترتيبك وكفاءتك. وهذه رسالة تستحق المراجعة، خصوصاً في الدراسات الطبية التي يفترض أن يكون معيارها الأول هو اختيار الأكفأ والأقدر على تحمل مسؤولية المهنة.
قد يكون من حق الوزارة أن تنظم المقاعد، وأن تراعي قدرة المشافي التعليمية، وأن تمنح الجامعات حافزاً للاحتفاظ بخريجيها. لكن ذلك كله يجب ألّا يتحول إلى تمييز جامعي يضيّق مساحة المنافسة العادلة.
المطلوب ليس إلغاء الجامعة الأم، ولا فتح المقاعد بلا ضوابط، وإنما بناء نظام أكثر عدالة؛ نسب تستند إلى القدرة التدريبية الحقيقية، ومعايير واضحة ومعلنة، ومنافسة تمنح الطالب المتفوق فرصة عادلة أينما تخرج.
فالطالب لا يطلب مقعداً لأنه ينتمي إلى جامعة معينة، ولا ينبغي أن يخسره لأنه ينتمي إلى جامعة أخرى.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: عندما يتنافس الأطباء على مقاعد الدراسات العليا، هل يجب أن تكون الأولوية لمن كان أكثر كفاءة، أم لمن كان محظوظاً بمكان تخرجه؟
إذا كانت الإجابة هي الكفاءة، فإن قرار 688 يحتاج إلى مراجعة جادة.