تجري هذه الأيام- نظرياً- دورة امتحانية استثنائية لطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية المقيمين في محافظة السويداء، والذين لم يتمكنوا من تقديم امتحاناتهم مع بقية أقرانهم ضمن الدورة الاعتيادية، نتيجة الخلاف والتجاذب السياسي بين السلطات في دمشق والقوى المسيطرة على الأرض في السويداء.
في حينه، تم تخصيص مراكز امتحانية لطلاب السويداء في مناطق من ريف دمشق، وعملياً لم يتقدم للامتحانات إلى بضع مئات من أصل ما يقارب 14000 طالب وطالبة.
في الدورة الاستثنائية، تم اعتماد مراكز امتحانية في القرى الشمالية من محافظة السويداء، وهي قرى مهجورة حالياً، تعرضت للنهب والحرق والتخريب بشكل واسع خلال مجازر تموز من العام الماضي، وأهلها قد نزحوا منها منذ المجازر وحتى الآن.
قلنا: إن الدورة الامتحانية تجري- نظرياً- لأن أعداد من تمكنوا من الوصول لتقديم امتحاناتهم، لم تتجاوز عشرات إلى بضع مئات، نتيجة عاملين؛
الأول: هو عملية المنع العلني الذي مارسته القوى المسيطرة في السويداء، التي أغلقت الطرقات في وجه الطلاب وأهاليهم.
الثاني: هو رفض قسم من الأهالي إرسال أبنائهم لتقديم الامتحانات، لاعتبارات تبدأ من عدم الشعور بالأمان، ولا تنتهي عند المسافات الطويلة التي ينبغي قطعها يومياً ذهاباً وإياباً، الأمر الذي اعتبره الأهالي معاملة تمييزية ضد أبنائهم.
ورغم أن المرسوم الذي نص على عقد دورة امتحانية استثنائية لطلاب السويداء، كان مطلباً متكرراً لأهالي الطلاب، ولعدد مهم من القوى والشخصيات الوطنية في البلاد، وكذلك لمنظمات وجمعيات محلية ودولية، بما فيها الأمم المتحدة... نقول: إنه رغم أن هذا المرسوم شكل خطوة نحو حل المشكلة، إلا أنها خطوة لم تكتمل، وكان ينبغي أن يتم التوقع مسبقاً بأنها لن تكتمل... فالجهات التي تريد تعميق الشرخ بين أهالي السويداء، وبين امتدادهم السوري لا تخفي نواياها، ولا توفر فرصة في هذا المجال... وإجراء الامتحانات في القرى الشمالية، وليس في السويداء نفسها، كان الثغرة التي يمكن التسرب منها لتخريب العملية.
إذا أردنا التفكير بمنطق سياسي قصير النظر، يمكن القول: إن الانقسام المحلي ضمن السويداء نفسها قد بات أعلى مما كان عليه قبل الدورة الامتحانية، وهذا ما قد ينظر إليه البعض ضمن السلطات في دمشق على أنه «تقدم إيجابي»... وربما يكون كذلك لو أن حدود المشكلة داخلية، ولكن مع امتداداتها الإقليمية، وخاصة مع الأدوار «الإسرائيلية»، فإن حسابات الانقسام المحلي واللعب السياسي عليها، هي حسابات ضيقة الأفق مقارنة بالمهام الوطنية الكبرى، وعلى رأسها كسب أهل السويداء كلهم باتجاه المشروع الوطني السوري، وتأريض من يدفعون نحو مشاريع التقسيم ونحو الأجندة «الإسرائيلية»...
ملف الامتحانات، وأياً تكن الطريقة التي سيُحل ضمنها، لن يكون كافياً لمعالجة الكارثة التي حلت بالسويداء في تموز الماضي؛ فالحل الشامل ما يزال مقترناً بمحاسبة حقيقية وعلنية، وبتغيير سياسي حقيقي ينقل سورية نحو مشاركة حقيقية، ونحو مواطنة متساوية لا تميز على أساس دين أو طائفة أو قومية...
رغم ذلك، فإن ملف الامتحانات كان من الممكن أن يسير بنا خطوة إلى الأمام في إطار المشروع الوطني لاستعادة وحدة البلاد. بالضبط عبر إجراء الامتحانات في السويداء نفسها، والذهاب نحو العودة إلى الحياة الطبيعية لأبناء المحافظة في علاقتهم بدمشق، عبر التجارة والعمل والدراسة وإلخ...
هذا الحل ما يزال ممكناً، رغم أن بداية العام الدراسي الجامعي والتقدم للجامعات بات على الأبواب... ما يزال ممكناً عقد دورة استثنائية على وجه السرعة في محافظة السويداء نفسها، وبمراقبين من وزارة التربية... وينبغي التعامل مع الملف ليس كملف سياسي، بل كملف وطني وإنساني في آن معاً، وحينها يمكن الوصول إلى حلول حقيقية...