Skip to main content

رهن التراث في مزاد «النهضة» السياحية

 |  نور الإبراهيم  |  محليات

تتداعى معالم دمشق نتيجة سباق محموم لتحويل التراث إلى سلعة. فالحديث الذي تصدّر عناوين شهر آب عن عزم وزارة الثقافة طرح «خان أسعد باشا» الأثري للاستثمار الفندقي، لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجاً لسابقة تمثلت بافتتاح «خان سليمان باشا» كفندق خمس نجوم في كانون الثاني.

والمفارقة المؤلمة هو تزامن ذلك مع تحول «خان أسعد باشا» في معرة النعمان بإدلب إلى كراج لحجز السيارات المتضررة، مكمّلاً بذلك حلقة مفرغة من الاستهانة بالذاكرة، تُلبس فيها مشاريع «النهضة الاقتصادية» عباءة الفقر المدقع وتشويه الهوية في آنٍ واحد، قبل أن تدفع موجة استياء واسعة في 25 آب إلى إخلاء الخان من السيارات.
لكن ما يجمع بين هذه الحالات هي الرؤية ذاتها التي تختزل التراث في أرباح مادية، وتُخضع القيمة العالمية البارزة لمنطق العرض والطلب، والتعامل مع المعالم التاريخية على أنها قطع أثرية معطّلة بحاجة إلى ضخ جديد من «الضيافة العصرية» لإعادة إحيائها، أو في الحالة الأكثر تطرفاً، تحويلها إلى ساحات خرسانية لصفّ المركبات حين تغيب الرقابة.
هذه الازدواجية المذهلة– فندق فاخر هنا، وكراج مؤقت هناك– هي الوجه الحقيقي لأزمة غياب استراتيجية وطنية موحدة للتعامل مع التراث، وسعي لاستثمار كل ما يمكن على حساب السوريين، ورسالة تقول إن التراث ثمين حين يدرّ أرباحاً، ولا قيمة له حين يتعلق الأمر بالبيروقراطية اليومية. فالوزارات تتخاطف المعالم كأراضٍ شاغرة؛ وزارة السياحة ترى في الخانات فنادق محتملة، ووزارة الثقافة تتردد بين الحماية والاستثمار، ووزارتا الصناعة والاتصالات تباركان هذا التحول الذي «سيُخرج الزير من البير».
فيما تؤكد اليونيسكو ومركز التراث العالمي على الطرف الآخر بأن القيمة العالمية البارزة لدمشق تواجه خطراً وجودياً.

ففي تقرير لجنة التراث العالمي بدورتها السابعة والأربعين عام 2025، لم تخفِ المنظمة استياءها صراحة، إذ أعربت عن أسفها لبدء أعمال تحويل «خان سليمان باشا» إلى فندق خمس نجوم، من دون تقديم تقييم الأثر التراثي المطلوب إلى مركز التراث العالمي، ومن دون مراجعة المجلس الدولي للمعالم والمواقع.
ورغم تقديم السلطة في دمشق لتقرير عن التقدم المحرز في تنفيذ تدابير الصيانة، شددت اليونيسكو على ضرورة تقديم «وثائق كاملة» لتتمكن من تقييم هذا التقدم قبل الشروع بأي أعمال يصعب التراجع عنها. وعليه تقرر إبقاء مدينة دمشق على قائمة التراث العالمي المعُرّض للخطر.
وما يُثير القلق هو تحول هذا «النموذج الفندقي» إلى نموذج يحتذى به لمعالم أخرى، وكأن كل موقع أثري أصبح مرشحاً ليكون منتجعاً وصالات أفراح. وهذا انزلاق خطِر نحو استثمارية التراث التي تُخضع الهوية لميزانيات الفنادق، وتحول الماضي إلى سلعة، والذاكرة إلى مشروع ربحي.

فيما تصطدم محاولة ترويج هذه المشاريع على أنها «تساهم في تنشيط المدن التاريخية ورفع جودة التجربة السياحية»، أو أنها «توفر فرص عمل»، بالواقع. فهذه الفنادق لن تكون في متناول السوريين، بل ستخدم نخبة ضئيلة من السياح والأثرياء، بينما يُحرم عموم الشعب من حقهم في تراثهم الوطني والانتفاع به كمساحات ثقافية عامة.
خاصة وأنها تتم في ظل غياب أي حوار مجتمعي أو نقاش علمي، وكأن التراث ملك للسلطة وحدها، تُديره كما تدير أي أرض خالية، من دون استشارة المجتمع الذي يعيش على وقع هذه القرارات.

وإذا كان المطلوب هو تحريك الاقتصاد فعلاً، فلتكن المشاريع شاملة ومستدامة ومنتجة، ولا تختصر التراث في غرف نوم مكيّفة. أما استبدال الذاكرة بالاستثمار السياحي، فهو إعلان صريح بأن التراث لا قيمة له في نظر من يتولون أمره، إلا بقدر ما يُمكن استثماره أو التخلص منه.