Skip to main content

القامشلي: عقود من بؤس الخدمات وتخلف البنية التحتية

 |  مراسل قاسيون  |  محليات

لم تعد مشكلة الخدمات مجرد شكاوى عابرة يرددها السكان، بل تحولت إلى أزمة يومية تمس أبسط تفاصيل الحياة. فالمياه والكهرباء، والنظافة وترحيل القمامة، والصرف الصحي، وتزفيت الشوارع وتصريف مياه الأمطار، كلها ملفات لا تزال تفرض نفسها على المدينة منذ سنوات طويلة، فيما يبدو أن البنية التحتية عاجزة عن مواكبة مدينة توسعت سكانياً وعمرانياً بشكل كبير.

تأسست مدينة القامشلي قبل مئة عام، لكن مشكلاتها الخدمية تبدو وكأنها لم تغادر تلك الحقبة. وليس المقصود أن كل البنية التحتية عمرها مئة عام حرفياً، بل إن المشكلة تكمن في استمرار الاعتماد على شبكات وخطط لم تعد قادرة على استيعاب مدينة تغير حجمها واحتياجاتها بصورة هائلة. فالخدمات متقادمة وغير مصممة أساساً لاستيعاب هذا التوسع.


أزمة المياه الدورية


ربما تكون أزمة المياه أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة إلى سكان القامشلي. فبدلاً من أن تكون مياه الشرب خدمة أساسية ومستقرة، تحولت إلى همّ موسمي ودائم في آن واحد. في السنوات الأخيرة، عانت أحياء عديدة من انقطاعات طويلة، واضطر الأهالي إلى شراء المياه من الصهاريج، ما يضيف عبئاً مالياً جديداً على عائلات تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة.
في عام 2025، تحدث سكان من أحياء مختلفة عن انقطاعات شبه كاملة، فيما أرجعت الجهات المسؤولة الأزمة إلى عوامل متعددة، بينها اهتراء الشبكات، وهدر المياه، وانقطاع الكهرباء عن محطات الضخ، وانخفاض الموارد المائية. كما أن مشكلة المياه ليست جديدة؛ فقد كانت أحياء مثل الموظفين وغيرها تعاني من نظام ضخ متقطع منذ عقود.
المشكلة هنا ليست في كمية المياه فقط، بل في غياب الحل الاستراتيجي. فالمدينة تحتاج إلى تحديث شامل للشبكة، وتقليل الهدر، وتأمين مصادر مستقرة، وربط ذلك بخطة طويلة الأمد تأخذ بعين الاعتبار التوسع السكاني والتغير المناخي.


أزمة الكهرباء تجر معها أزمات أخرى


لا يمكن فصل أزمة المياه عن الكهرباء. فعندما تتوقف الكهرباء أو تتراجع ساعات التغذية، تتأثر محطات الضخ مباشرة، وبالتالي تتحول مشكلة الكهرباء إلى مشكلة مياه أيضاً. وقد شهدت القامشلي في السنوات الماضية أزمات كهرباء انعكست بشكل مباشر على محطات المياه والخدمات الأساسية.
لكن المواطن في النهاية لا يعنيه كثيراً تفسير الأزمة بقدر ما يعنيه أن يحصل على خدمة مستقرة. فهل من الطبيعي أن تبقى مدينة بحجم القامشلي رهينة حلول مؤقتة ومولدات وصهاريج وشبكات متهالكة؟


مدينة تبحث عن النظافة


أما ملف القمامة، فهو صورة أخرى من صور الأزمة. تراكم النفايات في بعض الشوارع والأحياء لا يسيء فقط إلى منظر المدينة، بل يخلق مخاطر بيئية وصحية، خصوصاً خلال فصل الصيف. وفي شهادات حديثة، تحدث سكان عن تراكم أكياس القمامة لفترات طويلة وعدم انتظام وصول سيارات البلدية إلى بعض الأحياء.
ومن الطبيعي أن تواجه أي بلدية صعوبات في جمع النفايات، لكن السؤال الحقيقي هو: هل تتناسب آليات الجمع وعددها مع حجم المدينة وتوسعها؟ وهل توجد خطة واضحة لتغطية جميع الأحياء بصورة منتظمة، أم إن التعامل مع الملف لا يزال يقوم على حملات متفرقة وحلول ترقيعية؟


معاناة تبدأ من الحفرة وتنتهي بالوحل


وإذا كانت القمامة تشوه صورة المدينة، فإن الشوارع المتهالكة تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة. الحفر، والترقيعات، وتصدعات الإسفلت، وغياب التصريف الجيد لمياه الأمطار، كلها مشاهد يعرفها سكان القامشلي جيداً.
وفي موسم الشتاء، تتحول المشكلة إلى معاناة حقيقية. فالأحياء التي تفتقر إلى شبكات صرف وتصريف مناسبة تغرق بالمياه والوحل، ويجد السكان صعوبة في الوصول إلى منازلهم أو نقل أطفالهم إلى المدارس. وقد أظهرت أمطار السنوات الأخيرة هشاشة البنية التحتية في عدد من مناطق المدينة، مع ظهور هبوطات وتصدعات في شوارع عدة.
مطالب عمرها عشرات السنين
الأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الأحياء تبدو وكأنها تعيد تقديم المطالب نفسها جيلاً بعد جيل. العنترية والهلالية وحارة طي وجمعايا وقناة السويس وغيرها من المناطق لا تطلب مشاريع ترفيهية أو خدمات كمالية؛ المطالب الأساسية تتعلق بالماء، والصرف الصحي، وتعبيد الطرق، وتصريف مياه الأمطار والنظافة والكهرباء. وإذا راجعنا الصحف المحلية التي تعود إلى سبعينات القرن الماضي، سنجد أن مطالب أحياء العنترية والهلالية هي نفسها وكأن الزمن قد توقف هنا. 
سكان الأحياء الشعبية لا يريدون وعوداً جديدة كل شتاء، ولا يريدون أن يسمعوا أن المشكلة قديمة ومعقدة. بل يريدون جدولاً زمنياً واضحاً، ومشاريع معلنة، وأولويات عادلة بين الأحياء، وشفافية في الإنفاق والتنفيذ.
+ماذا تعني البلدية في عيون أبناء القامشلي؟  تعني أنها الضرائب، والمزيد من الضرائب المرافقة للخدمات السيئة والحياة البائسة في الأحياء الشعبية. فالقامشلي ليست قرية صغيرة يمكن إدارة خدماتها بالحلول المؤقتة. إنها مدينة كبيرة، ذات كثافة سكانية وحركة تجارية وعمرانية متزايدة، وتحتاج إلى بنية تحتية تناسبها. وتحتاج إلى بلدية تستطيع أداء مهامها بل الإصرار على الضرائب في ظل الخدمات السيئة. 
المطلوب اليوم ليس ترقيع شارع هنا، وإصلاح خط ماء هناك، وحملة نظافة في موسم معين، بل مشروع متكامل لإعادة بناء البنية التحتية للمدينة؛ شبكة مياه حديثة، كهرباء مستقرة، صرف صحي وتصريف أمطار، منظومة مستدامة للنفايات، وخطة حقيقية لتعبيد الشوارع، مع إعطاء الأولوية للأحياء التي عانت طويلاً من الإهمال.
تحتاج القامشلي شأنها شأن باقي المدن والبلدات في المحافظة إلى بلدية تنظر إلى المستقبل، لا إلى إدارة أزمات الماضي. فالمدينة تغيرت، ولم يعد مقبولاً أن تبقى الحلول الخدمية تدور في الحلقة نفسها؛ شكوى، وعود، مشروع صغير، ثم شتاء جديد يعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.

بالنسبة لكثير من أهالي القامشلي، لم تعد البلدية مجرد مؤسسة خدمية يفترض أن تهتم بالشوارع والنظافة والمياه والصرف الصحي، بل أصبحت في الوعي الشعبي عنواناً لمعاناة متراكمة امتدت، بأشكال مختلفة، إلى عقود طويلة. فمنذ نشأة المدينة قبل نحو قرن، ظل المواطن في كثير من الأحياء يواجه المشكلة نفسها بأسماء مختلفة: ماء لا يصل بانتظام، كهرباء غير مستقرة، شوارع متهالكة، صرف صحي غائب أو عاجز، قمامة تتراكم، وأمطار تحول الطرقات إلى برك من الوحل. وكأن الزمن مرّ على القامشلي، وتوسعت المدينة وتضاعف عدد سكانها وتغيرت احتياجاتها، بينما بقيت بعض الخدمات عالقة في الماضي.