وزارة التربية تهمش المرشدين النفسيين وتغتال حقاً مهنياً مكتسباً
في مشهد يعكس مدى الانفصال بين هموم الشارع التربوي وقرارات الأبراج العاجية، أصدرت وزارة التربية والتعليم في 3/8/2026 قرارها رقم 1056 القاضي بتغيير مسمى «المرشد النفسي» إلى «مشرف أنشطة»، وإسناد مهام إدارية ورقابية وتنظيمية إليه.
قرار يحمل في طياته إعلاناً صريحاً بتصفية اختصاص أكاديمي كامل، ليس بذريعة «التطوير» فحسب، بل بامتياز وسلطة لا تستند إلى أي دراسة علمية أو تشاور مع المختصين.
إرث التهميش
لم يكن القرار وليد لحظة عابرة، بل يأتي تتويجاً لسلسلة من القرارات التي استهدفت تهميش اختصاص الإرشاد النفسي المدرسي في سورية على مدى سنوات.
قرارات رسمت بدم بارد طريقاً لإجهاضه تدريجياً، بدأت بإلغاء دائرة الإرشاد النفسي في الوزارة، إلى تراجع دور التوجيه المتخصص، ومن ثم تجريف مهامه وتحويله إلى موظف إداري، وانتهت اليوم بإلغاء هويته المهنية.
إنّها سياسة ممنهجة تهدف إلى إنكار وجود اختصاص قائم بذاته، له أسسه العلمية ومعاييره المهنية التي لا تقل أهمية عن أي اختصاص تربوي آخر.
تضارب مصالح مهني وأخلاقي
الدكتور مطاع بركات، الأستاذ المساعد سابقاً في قسم الإرشاد، يؤكد في تصريح بتاريخ 18/8/2026: «أن تغيير المسمى يعكس خلطاً في فهم طبيعة الإرشاد النفسي المدرسي وحدود دوره، ويشير إلى أن المهام الواردة ضمن توصيف «مشرف الأنشطة» تشمل أدواراً رقابية وانضباطية تجعله ممثلاً للسلطة المدرسية، وهو ما يتعارض مع طبيعة العلاقة الإرشادية القائمة على الثقة والسرية.»
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لمرشد نفسي أن يكون معالجاً وأميناً على الأسرار، وفي الوقت نفسه رقيباً ومنفذاً للعقوبات؟!
هذا التناقض يحطم الثقة التي هي أساس أي علاقة إرشادية ناجحة.
هوية مهنية تُسلب
علت أصوات المختصين احتجاجاً، وعلى ما يبدو أنها لا تساوي شيئاً أمام رؤية إدارية لا تعرف من علم النفس سوى اسمه!
لكن المشكلة الأعمق أن القرار لا يمس واقع الطلاب النفسي فقط، بل يمثل انتهاكاً صريحاً لحقوق شريحة كاملة من المؤهلين أكاديمياً في اختصاص الإرشاد النفسي، الذين أمضوا سنوات في دراسة هذا التخصص الدقيق، ليفاجأوا اليوم بأن هويتهم المهنية تُسلب «بجرة قلم»، ويُطلب منهم أن يصبحوا «مشرفي أنشطة» يُدربون الطلاب على الإسعاف ومواجهة الحرائق!
إنه تهكم مرير بحق اختصاص علمي قائم، وإهانة لكل من آمن بأهمية هذا الدور ونذر حياته له.
والأكثر إيلاماً من ذلك، ماورد في القرار حول جعل الاختصاص خياراً غير حصري لشغل وظيفة «مشرف الأنشطة» مما يضعف القيمة المهنية للاختصاص. فالمرشد النفسي في المدرسة يُعد من الكادر التعليمي، ويُعامل وظيفياً ضمن الملاك التعليمي وليس الإداري، وذلك بحكم طبيعة عمله التربوية. لكن القرار يخلط بين الاختصاصات، ويدمج مسار الإرشاد النفسي بالأنشطة والإدارة، مما يهدد استقلالية العمل وجودة الرعاية المقدمة للطلاب.
إنه تدمير متعمد لهوية مهنية كان يفترض بالدولة حمايتها وتطويرها، لا شطبها تحت عناوين براقة.
مبررات واهية...
تحاول الوزارة تسويغ قرارها بمبررات هزيلة، تتحدث عن «تطوير العمل» و«تكامل الأدوار»، لكن الواقع يقول إن القرار ليس أكثر من محاولة لتحميل المرشدين النفسيين أعباء إدارية إضافية، في وقت تعاني فيه المدارس من نقص حاد في الكوادر الإدارية.
إنه حلٌّ رخيص لمشكلة هيكلية، على حساب صحة الطلاب النفسية.
كما يتجاهل حقيقة أن أكثر من 2,4 مليون طفل سوري هم خارج المدرسة، وأن الملايين من داخل أسوارها يعانون اضطرابات نفسية حادة نتيجة الحرب والنزوح.
فهل من المعقول أن تُحرم هذه الأجيال من حقها في دعم نفسي متخصص، باسم «مشرف أنشطة»؟!
إلى متى؟
ما يحدث ليس إصلاحاً، بل إجهاضاً متعمداً لأحد أهم الاختصاصات التربوية، وانتهاكاً صارخاً لحقوق الموظفين المؤهلين، وتجاهلاً متعمداً لتحذيرات المختصين.
إن تحويل المرشد النفسي إلى «مشرف أنشطة» هو بمثابة تحويل المستشفى إلى نادٍ رياضي، والأطباء إلى مدربي لياقة.
فالوزارة مطالبة اليوم بالتراجع عن هذا القرار الجائر، والعودة إلى طاولة الحوار مع المتخصصين والأكاديميين، والاعتراف بأن اختصاص الإرشاد النفسي المدرسي ليس رفاهية يمكن التخلي عنها، بل ضرورة وطنية وحق مهني مكتسب لخريجيه، وإلا فلتتحمل الوزارة مسؤولية جيل كامل سينمو دون رعاية نفسية، ومسؤولية شريحة كاملة من المرشدين سُحبت منهم هويتهم المهنية بقرار مجحف وغير مدروس، فحقوقهم ليست ألعاباً إدارية، واختصاصاتهم العلمية ليست مادة للتجريب. فيجب إعادة الاعتبار الحقيقي لها، لا تغيير المسميات تحت عنوان «التطوير وإعادة الهيكلة»!