Skip to main content

إدارة قطاع الزراعة «بعقلية القطاع الخاص...».. خطاب حداثي في واقع مأساوي

 |  سلمى صلاح  |  محليات

حمل خطاب وزير الزراعة المهندس باسل السويدان، في 18 آب، بقاعة غرفة تجارة دمشق وعوداً عن «الزراعة الذكية» و«التحول الرقمي».


ولكن تقف أمام هذا الخطاب فجوة لا تردمها العبارات البراقة، بل هي آخذة في الاتساع نتيجة سياسات تبدو، وللأسف، أقرب إلى التصفية المقنّعة للقطاع الأكثر حساسية في البلاد.


بين خطاب القاعات وجوع الملايين


وسط إشادة الوزير بخطط التعافي، تقف الأرقام الدولية شاهدة على جريمة بحق السوريين؛ إذ تشير التقارير الأممية إلى أن نحو 13,3 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 7,1 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
بينما تكتفي الوزارة بحديث نظري عن «الأمن الغذائي»، والسؤال: كيف ندّعي حماية القطاع ونحن ندفع المزارع نحو حافة الهاوية بتكاليف إنتاج لا تطاق؟
فخلال السنة الماضية، تحولت مستلزمات الإنتاج الأساسية إلى سلع بالكاد تطالها يد المزارع.
حيث تتناسى الوزارة أن تكاليف المازوت الزراعي ارتفعت بنسبة تجاوزت 400% بعد رفع الدعم، ومع تكرار موجات الجفاف بين الأعوام 2006 و2021 فقدت سورية نحو 60% من مياهها الجوفية في الشمال الشرقي، بينما وسّعت رقعة التصحر نطاقها لتطال 73% من المساحة الإجمالية، وسجلت السدود في درعا ودير الزور نسبة تخزين صفرية!
أما أسعار الأسمدة التي شهدت ارتفاعاً بنحو 60% فهي تشكل تحدياً أكبر يواجه المزارعين، ولا سيما مع تخفيض المخصصات المدعومة بناء على توفر التوريدات، ما يدفع بالمزارع إلى السوق الحرة؛ فعلى سبيل المثال، يحدد المصرف الزراعي سعر الطن من سماد اليوريا آزوت بقيمة 92,000 ليرة جديدة، بينما يبلغ سعره في السوق 120,000 ليرة.
وفي هذا المشهد البائس، لا يعود المزارع بحاجة إلى خطاب «الإنذار المبكر» بل إلى تدخل عاجل لإنقاذ ما تبقى من موسمه. لكن الوزارة، بدلاً من ذلك، اختارت الحديث عن الانسحاب.

الانسحاب تحت ستار «التنظيم والإشراف»


بإعلان الوزير تقليص دور الوزارة إلى مجرد «التنظيم والإشراف»، والتحول إلى «عقلية القطاع الخاص» والاستثمارات الخارجية، فقد أعلن عن تخلي الدولة عن العملية الإنتاجية برمتها، في قطاع سيادي يرتبط بحياة 24 مليون سوري.
وهذا توجه هو نسخة طبق الأصل عن كارثة وزارة الصناعة التي حمّلت الصناعيين وزر رسم رؤية، فيما تخلت هي عن مسؤولياتها.
فالقطاع الخاص، الباحث عن الربح السريع والمحاصيل التصديرية، لا يمكنه أبداً– ولا يرغب حتى– بتحمل عبء زراعة المحاصيل الاستراتيجية كالقمح.


وهم «الزراعة الذكية»


ولتجميل هذا الانسحاب، ذُكرت مصطلحات كبيرة «كالتحول الرقمي» و«الزراعة الذكية». ولكن السؤال: بأي بنية تحتية؟ هل ستعمل هذه الأنظمة بالطاقة الشمسية التي لا يملكها المزارع، أم بالإنترنت المقطوع في أغلب الريف السوري؟
فتطبيق هذه الطرائق الحديثة يتطلب استثمارات ضخمة في التدريب، وتحديث المعدات، وإنشاء قواعد بيانات، وتأمين تمويل مستدام للمزارعين. وجميع هذه العناصر غائبة تماماً عن خطط الوزارة التي تكتفي بانتظار التمويل الخارجي والترحيب بما تقوم به المنظمات الدولية.


التطوير لا يعني التفريط


تسليم مفاتيح الأمن الغذائي للقطاع الخاص، هو مغامرة عالية الخطورة، سيدفع ثمنها المفقرون كما دائماً. وأما التطوير الزراعي الحقيقي فيبدأ بإدراك الدولة فشل هذه السياسات التي ستعمّق من التبعية الغذائية لسورية، وعودتها إلى دورها الإنتاجي والتمويلي، وحماية المنتج الوطني، ودعم المزارعين وحمايتهم من تقلبات السوق، وإعادة بناء سلاسل المحاصيل الصناعية.
فالأمن الغذائي ليس شعاراً يُرفع في المؤتمرات، ولا كلاماً يُقال في القاعات. الأمن الغذائي هو أن يجد السوري خبزاً على مائدته، وأن يجد المزارع ثمناً عادلاً لمحصوله، وأن تقف الدولة إلى جانبه وليس إلى جانب حفنة من المستوردين والتجار.