في مشهدٍ ينمّ عن تناقضٍ صارخ، تأتي البيانات الرسمية في تصريح لمعاون وزير الصحة للشؤون الدوائية «هاني البغدادي» بتاريخ 19/8/2026، «أن سورية تُصنّع محلياً نحو 80% من الأصناف الدوائية اللازمة، وتُصدّر أكثر من 1200 منتج دوائي إلى 23 دولة».
وفي المقابل، يضطر المواطن– الذي يُفترض أنه المستفيد الأول من هذا «الانتعاش»- إلى شراء أدويته بالدَّين، في ظلّ تدني الأجور والمعاشات التقاعدية وعدم كفايتها لتغطية أبسط تكاليف المعيشة والعلاج.
فأين يكمن الخلل؟!
80%، ولكن؟
لا شكَّ أن وصول التصنيع الدوائي المحلي إلى إنتاج 80% «إنجازٌ صناعي» يبعث على الفخر، فهو يعكس بقاءً وإرادة في قطاع أنهكته الحرب والحصار، لكن السؤال الجوهري الذي تتجاهله النشرات الرسمية: هل هذه النسبة تعكس عدد الأصناف أم حجم الإنتاج أم القيمة السوقية أم مستوى التغطية الفعلية لاحتياجات المرضى؟!
فالمريض لا يهمه أن تفتخر الوزارة بـ84 معملاً عاملاً و14 ألف مستحضر محلي حسب تصريحات سابقة قي نيسان الفائت لمدير الشؤون الصيدلانية في الوزارة «د. نزير العتقي»، بقدر ما يهمه أن دواء الضغط أو السكري أو القلب الذي يتناوله يومياً متوفر بسعر يناسب قدرته الشرائية المتداعية.
وهذا ما لا توفره الأرقام التصديرية البرّاقة!
مريضٌ يشتري دواءه بالدَّين!
المفارقة الأكثر إيلاماً أنه لم يعد الحصول على الدواء في سورية يقتصر على معاناة توفيره، بل أصبح يرتبط أيضاً بفوضى كبيرة في أسعاره، فالدواء نفسه يُباع بسعر في صيدلية وبسعر مضاعف أو يتجاوز عدة مرات في صيدلية أخرى، وهذه الفوضى ليست وليدة الصدفة، بل تكشف غياب آليات واضحة وفعالة لضبط سوق الدواء.
هذا التفاوت في التسعير يضع المواطن أمام حالة من الاستغلال في وقت يعاني فيه أصلاً من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
فاستقرار سعر المنتج المحلي لا يعني بالضرورة سهولة شرائه، إذ إن ضعف الدخل جعل حتى الأصناف الأقل سعراً عبئاً على عدد متزايد من الأسر.
الفجوة النوعية...
المشكلة الأعمق تكمن في الفجوة النوعية التي تعاني منها الصناعة الدوائية المحلية. فرغم وجود 82 معملاً، وتزايد عدد التراخيص الجديدة إلا أن السوق لا تزال تعاني من فجوات نوعية خاصة في أدوية الأورام والأمراض المناعية والنوعية المزمنة التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار وانقطاع التوريد.
وقد أعلنت وزارة الصحة مناقصة تتجاوز قيمتها 60 مليون دولار لتأمين احتياجات المستشفيات من هذه الأصناف، لكن السؤال: لماذا لا يُوجَّه هذا المبلغ الضخم لتوطين صناعة هذه الأدوية النوعية داخل سورية بدلاً من استيرادها؟
فصناعة الدواء في سورية قد تغطي الكمّ، لكنها تعجز عن النوع، والمواطن لا يموت بكثرة الدواء التقليدي، بل بندرة الدواء النوعي!
غياب القطاع العام، ودعم المستثمرين فقط
في خضم الزخم الاستثماري، غاب الحديث عن أوجه الدعم المقدَّم للقطاع العام، الذي كان ولا يزال عموداً فقرياً في تأمين الدواء بأسعار معقولة للفئات الأكثر احتياجاً.
فتوقف شركة «تاميكو» مؤقتاً منذ آذار، يكشف أن «التسهيلات» الحكومية تستهدف كبار المستثمرين فقط، ولا تشمل تعزيز قدرات المعامل الحكومية وتحديث خطوط إنتاجها، خاصة في مجالات الأدوية النوعية.
منافسٌ خطِر يهدد الصحة العامة
الأكثر خطورة من فوضى الأسعار، هو انتشار الأدوية المهربة أو المزورة مجهولة المصدر، والتي تقل أسعارها بنسبة تصل إلى 40% عن بعض الأدوية المحلية، ونحو 80% عن الأجنبية المستوردة.
وقد تم ضبط منشأة في مزرعة لتزوير الأدوية في ريف دمشق، تُستخدم لتعبئة كبسولات بمادة مجهولة المصدر، وذلك بتاريخ 22/8/2026.
وهذه الأدوية لا تشكّل خطراً على صحة المواطن فحسب، بل تقوّض أيضاً جهود الصناعة الوطنية.
أكثر الفئات تضرراً
إنهم المتقاعدون، أولئك الذين قضوا أعمارهم في خدمة هذا البلد، وها هم اليوم يعجزون عن شراء دوائهم، فالراتب لا يغطي ثمن وصفة دواء شهرية لمرتين، فيضطرون للعمل بعد الستين أو تقليل جرعات الدواء.
وهذا ليس مجرد فشل اقتصادي، بل فشل أخلاقي وإنساني.
المطلوب
إن الحديث عن دعم قطاع الصناعات الدوائية المحلية ليس مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة صحية ووطنية، لضمان سد الاحتياجات واستمرار وصول الدواء الآمن والفعال للمواطنين بأقل كلفة ممكنة. وتقع على وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي مسؤولية مباشرة في تأمين مشافيها ومراكزها الصحية بما يلزم من الأدوية مجاناً أو بسعر مخفض للمرضى داخلها، إضافة إلى تشديد الرقابة على الجودة والتكلفة، والحد من الأدوية المهربة مجهولة المصدر.
فالدواء ليس سلعة كمالية تخضع للمضاربة والربح غير المحدود، بل هو حق أساسي يرتبط بحياة الإنسان وصحته.
الأرقام أعلاه تستحق الفخر، ولكن الفخر الحقيقي ليس في عدد الدول التي نصدر إليها، بل في عدد المرضى الذين تحميهم، وليس في كمّ الأصناف التي ننتجها، بل في نوعية الأدوية التي نوفرها.
فالمواطن ليس بحاجة إلى أرقام برّاقة عن الصادرات، بل إلى دواء في متناول يده، فمتى تدرك الدولة هذه الحقيقة؟!