Skip to main content

بلدية طيبة في ريف درعا... حين تُعلن بلدة سورية إفلاسها وتفضح أزمة البلديات الخانقة

 |  سارة جمال  |  محليات

لم تكن التصريحات المتداولة لرئيس بلدية طيبة في ريف درعا مجرد شكوى عابرة من موظف يعاني ضائقة مالية، ولا كانت تنبيهاً روتينياً عن عطل في آليات البلدية.

فهي، وبكل ما تحمله المعنى من كلمة، شهادة إفلاس حقيقية تُلقى في وجه المؤسسة الرسمية، وكشفاً صريحاً لمرحلة تحولت فيها الدولة إلى متفرج على انهيار خدماتها الأساسية في أصغر تجمعاتها السكانية.


أرقام تعرّي العجز


فاجأ رئيس البلدية الأهالي عبر تسجيلات صوتية باعتراف صادم: رصيد البلدية صفر، ورواتب الموظفين، بما فيهم هو نفسه، عن الشهر الجاري لم تُصرف. وبالنتيجة توقفت الآليات عن العمل كلياً في 18 آب.
والأسوأ ليس الصفر في الخزنة، بل تراكم ديون تزيد على 13 مليون ليرة، موزعة بين ورشات إصلاح الآليات (6 ملايين)، ومحطة الوقود (7 ملايين). وهذه الأرقام في سياقها التشغيلي تعني توقفاً كاملاً لعجلة النظافة، حيث أصبحت أعطال الآليات تتكرر أسبوعياً، وأغلقت محطة الوقود أبوابها بوجه البلدية حتى تسديد المستحقات.
والمفاجأة الأكبر في اعتراف رئيس البلدية كانت الرد الرسمي المتكرر من محافظة درعا على طلباته المتعلقة بتأمين المازوت والإصلاحات «دبروا حالكم، ما في مصاري». هذه العبارة التي تُعد من أغرب الردود على مسؤول محلي، لا تتسم بكونها إجابة بيروقراطية جافة فحسب، فهي تتضمن نقل تبعات أزمة وطنية حادة إلى كاهل بلدة صغيرة لم تعد تملك من أمرها شيئاً!


أزمة ممتدة


ما يجري في الطيبة ليس استثناءً ولا حالة طارئة؛ هو المشهد ذاته الذي يتكرر بملامح متطابقة نسبياً في معظم بلديات محافظة درعا.
ويصبح الحديث عن نقص الإمكانات تبسيطاً لخلل هيكلي أعمق في علاقة المحافظة ببلدياتها. فمحافظة درعا، التي يُفترض أن تكون حلقة الوصل بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية، تكتفي بإعادة توجيه الأوامر من دون أن تمتلك حلولاً تمويلية أو دعماً لوجستياً، ما يعني أنها هي أيضاً غارقة في دائرة العجز ذاتها، وتنقل للبلديات ما تتلقاه من المركز: لا موارد، فدبروا أنفسكم بأنفسكم!


سورية كلها على حافة كارثة بيئية


إذا تجاوزنا حدود الطيبة ودرعا، نرى أن ما تعانيه هو النموذج السائد في كامل الجغرافية السورية. فمن الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، تعاني جميع البلديات من المصير ذاته.
نقص حاد في الكوادر؛ وأسطول من الآليات تجاوز عمره الافتراضي بأضعاف؛ ومادة المازوت أصبحت سلعة نادرة أو باهظة الثمن. وتحت وطأة هذه المعادلة المستحيلة، تحولت المدن والبلدات إلى بيئات حاضنة للأمراض والأوبئة، في وقت يشهد فيه القطاع الصحي تراجعاً كارثياً.
ما يعني أن إنقاذ البلديات من هذا الانهيار الشامل هو ضرورة وطنية؛ يتطلب من السلطة المركزية توفير الحد الأدنى من الدعم العاجل (المحروقات والرواتب وغيرها) فوراً، ومن ثم انطلاقة جذرية لإعادة هيكلة نظام الإدارة المحلية، بالانتقال نحو لامركزية مالية حقيقية تمنح المحافظة والبلديات صلاحيات أوسع، إلى جانب تفعيل رقابة مجتمعية حقيقية تمنع تكرار سيناريو تراكم الديون من دون مساءلة.
فملف النفايات لم يعد مجرد قمامة متراكمة؛ وبات مسألة شديدة الخطورة يدفع ثمنها جميع السوريين.