تتجه وزارة العدل في سورية إلى إدخال الوساطة القضائية كأحد المسارات لتسوية المنازعات، فقد عقدت وزارة العدل في 18 آب 2026 المؤتمر الوطني الأول للوساطة القضائية، وأعلنت أن مشروع قانون الوساطة القضائية سيُطرح للنقاش العام عبر منصة إلكترونية قبل استكمال مساره التشريعي، وإحالته إلى مجلس الشعب.
نناقش هنا مواد مسوّدة مشروع القانون الذي طرحته وزارة العدل على موقعها الإلكتروني، وهنا تبرز أهمية المشروع، ليس باعتباره مجرد قانون إجرائي جديد، وإنما باعتباره إعادة رسم للعلاقة بين المتقاضي، والمحكمة، والمحامي، والوسيط.
ما هي الوساطة القضائية؟
الوساطة هي وسيلة رضائية لتسوية النزاع، يتدخل فيها شخص محايد ومستقل هو «الوسيط»، ليساعد الأطراف على فهم مصالحهم، وتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاقٍ مقبول منهم، من دون أن تكون له سلطة إصدار حكم أو فرض حل على أي طرف.
وهذه النقطة جوهرية في التمييز بين الوساطة والقضاء والتحكيم.
فالقاضي يسمع الخصومة ويفصل فيها بحكم ملزم، والمحكم يفصل في النزاع ويصدر حكماً تحكيمياً وفقاً لاتفاق التحكيم، أما الوسيط فلا يحكم ولا يقرر من هو صاحب الحق، وإنما يساعد الأطراف على الوصول إلى الحل بأنفسهم، وهذا هو التصور الذي عرضته وزارة العدل لمشروع القانون؛ إذ أوضحت أن الوسيط لا يمتلك صلاحية فرض أي حل، وأن إرادة الأطراف هي الأساس في الوساطة، وقد أشار المشاركون في المؤتمر الوطني الأول إلى إمكانية مساهمة الوساطة في تخفيف الضغط عن المحاكم وتسريع إنجاز العدالة.
إيجابيات الوساطة القضائية:
أولى إيجابيات الوساطة هي السرعة، فإذا كان بالإمكان إنهاء نزاع خلال جلسات قليلة بدلاً من سنوات من المحاكمات، فإن ذلك يمثل مكسباً حقيقياً للمتقاضي وللقضاء معاً.
المرونة:
القاضي مقيد بطلبات الخصوم، وأحكام القانون، وقواعد الإثبات، وإجراءات التقاضي، بينما تستطيع أطراف الوساطة التوصل إلى حلول أوسع وأكثر مرونة.
لكن للوساطة مخاطر أيضاً!
الاحتفاء بالوساطة لا ينبغي أن يتحول إلى اعتقاد بأنها حل سحري لأزمة القضاء، فالوساطة يمكن أن تكون أداة ناجحة إذا كانت قائمة على الرضا الحقيقي، والحياد، والاستقلال، والتأهيل، والرقابة، أما إذا تحولت إلى وسيلة لإجبار الناس على التنازل عن حقوقهم هرباً من طول التقاضي، فإنها قد تتحول من وسيلة للعدالة إلى وسيلة لإنتاج تسويات غير عادلة.
وهنا تظهر أخطر الإشكالات
قد يكون أحد طرفي النزاع أقوى اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو معرفياً، من الطرف الآخر، وقد يملك شركة كبيرة أو قدرة مالية تمكنه من تحمل سنوات التقاضي، بينما يكون الطرف المقابل محتاجاً إلى المال بصورة عاجلة، في هذه الحالة قد تبدو التسوية «رضائية» من الناحية الشكلية، بينما تكون في حقيقتها نتيجة عدم تكافؤ القوة بين الطرفين، لذلك يجب أن يضمن القانون للوسيط سلطة رفض الاستمرار في الوساطة عندما يتبين له وجود استغلال، أو إكراه، أو اختلال جسيم في التوازن بين الأطراف.
الوساطة لا يجوز أن تصبح بديلاً عن القضاء
هذه قاعدة أساسية ينبغي أن تكون واضحة في القانون، فالوساطة يجب أن تكون مكمّلة للقضاء، وليست بديلاً عنه، كما ينبغي أن يظل حق أي شخص في اللجوء إلى القضاء مصوناً، وألا تصبح الوساطة شرطاً يؤدي عملياً إلى حرمان الإنسان من حقه في المحاكمة، ويجب أيضاً تحديد أنواع المنازعات التي يجوز إخضاعها للوساطة، والمنازعات التي لا يجوز فيها ذلك، ولا سيما المسائل التي تتعلق بحقوق غير قابلة للتصرف، أو بالنظام العام، أو بحقوق القاصرين، أو المسائل التي يفرض القانون فيها حماية قضائية خاصة.
أين دور المحامي في الوساطة؟
أغفلت مسوّدة مشروع القانون دور المحامين في الوساطة القضائية حين فتحت الباب لأي شخص أن يتولى الوساطة القضائية، بغض النظر عن تحصيله العلمي، أو الحقوقي، ولم تلزم المتقاضين بتوكيل المحامين أثناء الوساطة، ولا أثناء تثبيت اتفاق الوساطة أمام القضاء، مما يهمش دور المحامين... لا بل سيكون القانون على حساب مصالح المحامين، وستعتبر الوساطة بمثابة منافس لمهنة المحاماة، وهنا نسأل عن دور نقابة المحامين في الدفاع عن مصالح أعضائها.
من هو الوسيط القضائي؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في مشروع القانون، فالوساطة يمكن أن تتحول إلى «جلسة مصالحة» وتبويس شوارب، والوسيط مجرد شخص، اجتماعياً، يجيد الكلام، أو شخص معروف بعلاقاته العامة، مع العلم أن الوسيط يتعامل مع حقوق ومصالح ومراكز قانونية، وقد تكون أمامه عقود بملايين الدولارات، أو نزاعات عقارية أو تجارية أو أسرية بالغة الحساسية، لذلك لا يجوز أن يكون اختيار الوسيط قائماً على العلاقات الشخصية، أو الشهرة الاجتماعية، أو القدرة على الإقناع وحدها، بل يجب أن تتوافر فيه شروط صارمة، أهمها: التأهيل القانوني والمعرفي، وينبغي أن يمتلك الوسيط معرفة حقيقية بالقانون، وبقواعد العقود والالتزامات والإجراءات، وبطبيعة النزاع الذي يتواسط فيه، ويخضع للمساءلة المهنية والتأديبية، حيث لا يمكن منح الوسيط سلطة معنوية واسعة من دون وجود جهة تشرف على عمله وتحاسبه على المخالفات المهنية، ولا يجوز تحويل الوساطة إلى مهنة سائبة.
وهنا، يجب أن يكون المشرّع حازماً، ومن أخطر الأخطاء التي يمكن ارتكابها أن يفتح قانون الوساطة الباب أمام كل من يريد أن يقدم نفسه باعتباره «وسيطاً»، من دون تأهيل أو شروط أو رقابة، فالوساطة القضائية ليست نشاطاً اجتماعياً عادياً، وليست مجرد «إصلاح ذات البين»، وليست وظيفة لمن يملك شبكة علاقات واسعة.
إنها عمل يتصل مباشرة بالحقوق والمراكز القانونية للأفراد، وبالتالي يجب أن تكون مهنة منظمة قانوناً، والأصل، أن يكون للوسيط سجل رسمي معتمد، وشروط محددة للترخيص أو القيد، وتأهيل مهني إلزامي، ونظام للتأديب، ومدونة سلوك، وقواعد واضحة لتعارض المصالح.
ولا يعني ذلك بالضرورة إقصاء أصحاب الخبرات الأخرى؛ ففي بعض المنازعات قد تكون الاستعانة بخبير اقتصادي، أو مهندس، أو طبيب، أو مختص اجتماعي، مفيدة جداً، لكن هؤلاء ينبغي أن يقدموا خبرتهم الفنية عندما تقتضيها طبيعة النزاع، لا أن يتحولوا تلقائياً إلى ممارسين مستقلين لمهنة الوساطة القانونية دون تأهيل قانوني وتنظيم مهني.
يجب الحذر من تحويل الوساطة إلى مجرد مرحلة بيروقراطية إضافية تسبق المحاكمة.
لقد نُص في مشروع مذكرة القانون، أن المشرع قد يلزم المتقاضين في بعض القضايا باللجوء إلى الوساطة قبل التوجه للقضاء، وهو مجرد أجراء بيروقراطي جديد يعرقل القضاء، ويضيع وقت المتقاضين، فإذا اضطر المتقاضي إلى المرور أمام المحكمة، ثم أمام الوسيط، ثم العودة إلى المحكمة، من دون أن تكون هناك آليات واضحة وسريعة، فإن الوساطة ستضيف زمناً جديداً إلى التقاضي بدلاً من أن تختصره.
كما أن مسوّدة القانون سمحت للوساطة بالتدخل بقضايا الأحوال الشخصية، من زواج وطلاق، مع العلم أن التحكيم الشرعي جزء من منظومة القضاء الشرعي في سورية.
حماية مهنة المحاماة:
حماية مهنة المحاماة يجب أن تكون جزءاً أساسياً من فلسفة القانون، لأن المحامي هو الطرف الأكثر قدرة على حماية المصالح القانونية للمتقاضي أثناء عملية التسوية، والأفضل أن ينظر إلى المحامي باعتباره شريكاً أساسياً في منظومة الوساطة، محامياً يمثل مصالح موكله، ووسيطاً مؤهلاً عندما يستوفي شروط ممارسة الوساطة، ومستشاراً يساعد الأطراف على الوصول إلى تسوية عادلة.
أما فتح الباب أمام غير المؤهلين لممارسة الوساطة القانونية، فإنه يحمل خطراً حقيقياً بتحويل مؤسسة يفترض أن تخدم العدالة إلى مهنة سائبة تتداخل فيها العلاقات الشخصية، والمصالح الخاصة، مع الحقوق القانونية للناس.