Skip to main content

المعاناة تتجدد... عام دراسي جديد بأسعار تستنزف الجيب المفقر

 |  رشا عيد  |  محليات

مع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد، يعاود همّ تأمين المستلزمات المدرسية التسلل إلى بيوت السوريين، حاملاً معه أرقاماً تفضح واقعاً اقتصادياً متدهوراً، حيث تحوّلت متطلبات التعليم الأساسية إلى كابوس ماليّ ينهك الأسر في بلد يئنّ تحت وطأة الفقر وتراجع القدرة الشرائية.

لم تقتصر معاناة الأهالي هذا العام على جولة الأسواق المعتادة، بل تجسّدت في فروقات سعرية صارخة كشفتها جولة ميدانية على أسعار المستلزمات المدرسية، إذ سجلت الأسعار ارتفاعات تفاوتت بين 35% في قسم الألبسة والأحذية والحقائب، ونسب تراوحت بين 10-20% في القرطاسية، مقارنة بالعام الماضي.
فتراوح سعر المريول المدرسي بين 1300-1450 ل.س جديدة، والبنطال بين 1500-2000 ل.س، أما القميص بين 1500-1750 ل.س، بينما الأحذية، فبلغ سعر الحذاء متدني الجودة 1500 ل.س، في حين تجاوز الجيد منها 3000 ل.س، ولم تقف الحقائب المدرسية عند حدّ، فأرخصها 1300 ل.س، أما الجيدة منها تجاوزت 3500 ل.س، وسط تباين حاد في الأسعار تبعاً للجودة والمقاسات.
وفي قرطاسية المستقبل التي يفترض أن تكون في متناول الجميع، كانت الأرقام لا تقلّ إيلاماً (بجودتها المتوسطة).
تراوح سعر المقلمة بين 400-450 ل.س، والجديدة منها تتجاوز 700 ل.س، ودفتر عادي 70 ورقة بـ 75 ل.س، والسلك منه بـ 110 ليرات، وصولاً إلى 300 ل.س للدفتر السلك 200 ورقة. أما دفتر الرسم بين 120-180 ل.س، وعلبة الألوان بين 120-250 ل.س، بينما قلم الرصاص والقلم الناشف العادي بين 20-50 ل.س،
والممحاة والمبراة بين 50-90 ل.س.
وعند ترجمة هذه الأرقام إلى واقع معيشي تتكشف فداحة الكارثة؛ فتكلفة تجهيز طالب في المرحلة الإعدادية أو الثانوية تتراوح بين 12000-15000 ل.س جديدة، بينما يحتاج طالب الابتدائي نحو 8000 ل.س، من دون احتساب الكتب المدرسية والمواصلات والدروس الخصوصية والمصروف الشخصي التي باتت فرضاً لا اختياراً.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً، كيف لعائلة تتألف من ثلاثة أطفال أن تتحمل هذه التكاليف، في ظل حد أدنى للأجور لا يتجاوز 12560 ل.س؟
إنها معادلة مستحيلة، تحوّل العام الدراسي إلى موسم تقشف وإذلال، حيث يضطر الأهل إلى تدوير الحقائب القديمة وشراء أنواع رخيصة بالكاد تعمّر إلى نهاية العام.
في خطوة تعكس حجم المأساة أكثر مما تحاول معالجتها، أقرّت المؤسسة السورية للتجارة بيع المستلزمات المدرسية بالتقسيط للعاملين في الدولة، إنه اعتراف رسمي «ضمني» بأن تكلفة تجهيز الطالب باتت تشكل عبئاً لا يطاق على ذوي الدخل المحدود، وعلى الغالبية المفقرة.
غير أن هذه الخطوة، وإن كانت تحمل جانباً إيجابياً، تبقى مجرد مسكّن مؤقت لا يعالج جوهر المرض.
كما أن التقسيط يضع المواطن أمام اختبار حقيقي وتخوف من إعادة سيناريوهات الماضي حول جودة السلع وأسعارها المقبولة!
والسؤال الأهم الذي تفرضه هذه الخطوة: ماذا عن غير الموظفين؟ ماذا عن العمال المياومين والباعة المتجولين وعشرات الفئات المهمشة التي لا تشملها هذه الميزة؟!
مما يحولها إلى تمييز فاضح في وقت يفترض أن تكون فيه الدولة عادلة في توزيع خدماتها!
وعليه، إن ما يجري ليس مجرد أرقام تتغير، بل هو سياسة اقتصادية فاشلة تدفع الأسر السورية ثمنها كل عام. 
فبينما تتزايد الأعباء، تتراجع القدرة الشرائية، وتتسع هوّة الفجوة بين الدخل والنفقات، ليكون الضحية الأبرز هو تعليم الأبناء وحقهم الأساسي في أدوات التعلم.
إن الدولة التي تعجز عن تأمين أبسط متطلبات التعليم لأبنائها، والتي تتركهم فريسة لجشع التجار وارتفاع الأسعار، إنما ترتكب جريمة بحق مستقبل هذا البلد.
فالتعليم ليس رفاهية، بل هو حق أساسي، وهو استثمار في مستقبل الأمة، لا يمكن تركه رهينة لتقلبات السوق وعشوائية الأسعار.
إننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتحمل الدولة مسؤولياتها كاملة في تأمين المستلزمات المدرسية بأسعار مدعومة وفي متناول الجميع، أو أن تستمر هذه المأساة السنوية التي تحوّل العام الدراسي إلى موسم من الألم والإذلال لجيل كامل يحلم بحقيبة جديدة، ليصطدم كل عام بوعد مكلوم: «سنشتريها العام القادم».