في خطوة وصفتها السلطات المحلية بأنها ضرورية لحماية الأمن المائي، أصدر محافظ درعا أنور طه الزعبي تعميماً يقضي بتوثيق وإحصاء جميع الآبار المخالفة وغير المرخصة في المحافظة، مع منح أصحابها مهلة حتى 15 أيلول 2026 لتسوية أوضاعهم قبل المباشرة بإجراءات التشميع ومصادرة المعدات. يأتي هذا القرار في وقت تشير فيه التقديرات الرسمية إلى وجود نحو 20 ألف بئر مخالف في درعا، مقابل نحو 4500 بئر مرخص فقط، ما أدى إلى استنزاف مائي تجاوز 200 مليون متر مكعب سنوياً وجفاف ينابيع رئيسية مثل المزيريب وتل شهاب.
التعميم الذي حمل توقيع المحافظ الزعبي، ألزم مديرية الزراعة بتنظيم تشغيل الآبار المرخصة وفق مقننات مائية محددة تحت طائلة إلغاء الترخيص، وشدد على تشميع الآبار المحفورة ضمن مناطق الإرواء، في حين منح المتعدين على شبكات مياه الشرب مهلة حتى 3 أيلول 2026 للتصريح عن تعدياتهم وإزالتها. كما تضمن القرار حصر الآبار ذات الاستخدام المنزلي ووضعها تحت إدارة مؤسسة مياه الشرب، مع تركيب عدادات لاحتساب الاستهلاك، إلى جانب نشر أرقام تواصل لتلقي شكاوى المواطنين حول الحفارات المخالفة.
غير أن هذا التعميم، رغم أهميته في مواجهة أزمة مائية خانقة، واجه انتقادات مشروعة من المزارعين الذين يرون فيه تجريماً لواقع فرضته سنوات الحرب وانهيار الخدمات. فالفلاحون يؤكدون أن معظم الآبار التي يعتمدون عليها اليوم حُفرت في ظروف استثنائية، حيث لم يكن هناك بديل لتأمين مياه المحاصيل في ظل جفاف السدود والينابيع، وأن ردم أي بئر يعني حرمان عائلات بأكملها من مصدر عيشها الوحيد. ويتساءلون: كيف يمكن تطبيق قوانين أوقات الاستقرار على واقع نشأ تحت وطأة الحرب والانهيار؟
الانتقاد الأكثر إلحاحاً يتعلق بغياب البدائل، فالسدود جفت والينابيع تلاشت، والمزارعون يجدون أنفسهم أمام خيار مستحيل بين الامتثال لقرار يهدد موسمهم، وتكاليف حفر الآبار الباهظة التي قد تصل إلى عشرة آلاف دولار للبئر الواحد. كما يرى مراقبون أن الأولوية كانت تنبغي أن تكون لفتح باب الترخيص الفعلي مع تحديد مقننات استهلاكية عادلة، بدلاً من التشميع الذي قد يحول أراضي حوران الخصبة إلى صحراء قاحلة. فهذه الأراضي التي كانت تكتفي بالأمطار في العقود الماضية، أصبحت اليوم بحاجة ماسة إلى الري الاصطناعي بسبب تغير المناخ وقلة الهطول.
كما يثير التعميم تساؤلات أعمق حول العدالة في توزيع المسؤولية، فالمزارعون يشعرون بأنهم وحدهم من يتحمل ثمن الأزمة، بينما تغيب حلول جذرية لتحسين شبكات الري الحكومية أو دعم الفلاحين بمشاريع بديلة. بعضهم يرى أن القرار يصب في مصلحة التجار المستوردين للمنتجات الزراعية على حساب الفلاح المحلي، مما يهدد الأمن الغذائي للمنطقة برمتها.
في المحصلة، يضع التعميم السلطات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الموازنة بين حماية المخزون الجوفي وتوفير بدائل مائية للمزارعين. فالحفاظ على المياه هدف نبيل لا خلاف عليه، ولكن الطريقة التي يُنفذ بها قد تحدد مصير آلاف العائلات التي تعيش على الزراعة في درعا. وإلا فإن «الدواء المر» قد يكون أشد إيلاماً من الداء، ويحول أخصب محافظات سورية إلى منطقة تعاني من نزوح زراعي واقتصادي لا تحمد عقباه.