مرة أخرى، يدفع العمال السوريون ثمن استهتار الجهات المعنية بأرواحهم. ففي الثامن عشر من آب الجاري، اهتزت محافظة طرطوس على وقع انفجار مروّع في المحطة الحرارية ببانياس، أودى بحياة ثلاثة عمال أثناء صيانة خزان هيدروجين. وبينما هرعت فرق الإسعاف، انكشفت تفاصيل جديدة تؤكد أن هذا الحادث ليس مجرد «قضاء وقدر»، بل نتيجة حتمية لسياسة ممنهجة في التهاون بمعايير الأمن الصناعي.
تفاصيل تصرخ بالإهمال
كشف مدير المحطة «عدنان الحمود» في تصريح لسانا «أن الانفجار وقع إثر عطل تقني على «فواشة» خزان ضاغط مولد الهيدروجين، بينما أفادت تقارير ميدانية ومصادر أمنية بأنه حدث أثناء «لحام الخزان» نتيجة عدم تفريغه بالكامل من الغازات.
هذا التناقض في الروايات الرسمية يكشف، في حد ذاته، حالة من الفوضى وغياب المساءلة. والأسوأ أن الحادثة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، طالما استمرت هذه النظرة الدونية لسلامة العمال.
شاهد آخر على كارثة متوقعة
لم تقتصر جرائم الإهمال على المحطات الحرارية، ففي الخامس من حزيران الماضي، هزّ انفجار غباري صوامع كفربهم بريف حماة الغربي، وذلك أثناء أعمال التنظيف، بسبب «استخدام آلة لحام مخالفاً لشروط الأمن والسلامة»، والحصيلة؛ وفاة عامل وإصابة ثمانية آخرين، وفي درعا، انهارت أجزاء من صومعة نوى في تموز الماضي نتيجة «الضغط»، لتعيد فتح ملف سلامة منشآت الحبوب برمته.
الأمن الصناعي ليس ترفاً
في كل حادثة، نسمع التصريحات ذاتها، ووعوداً بإجراءات مشددة، وتعازيَ حارة لأهالي الضحايا. لكنها تبقى حبيسة الأدراج، فالأمن الصناعي، كما يعرّفه المختصون، هو «مجموعة إجراءات احترازية لحماية العمال من مخاطر العمل» لكن في واقعنا المرّ، تحولت هذه الإجراءات إلى «ترف» يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه عند أول ضائقة مالية.
فالسلامة المهنية في أي منشأة ليست خدمة اجتماعية تقدمها المنشأة متى شاءت، بل جزء أساسي من شروط العمل اللائق.
ضحايا الإهمال، أرواح تُزهق وعائلات تُفجع
خلف كل رقم، هناك قصة إنسانية مؤلمة. ثلاثة عمال في بانياس كانوا يؤدون واجبهم، فذهبوا ولم يعودوا، عائلات تفقد معيلها، وأطفال يصبحون أيتاماً. هؤلاء لم يكونوا مجرد أرقام في سجلات الشركة، بل آباءً وأزواجاً، كان حقهم العودة سالمين لكن سياسة الإهمال والتوفير على حساب السلامة حرمتهم من هذا الحق الأساسي.
المطلوب
ما حدث في بانياس وكفربهم ونوى ليس مجرد حوادث فردية، بل أعراض مرض مزمن في ثقافة إدارة المنشآت، يضع أرباح الإنتاج فوق حياة العمال. المطلوب اليوم وبشكل عاجل:
إعادة هيكلة شاملة لمعايير الأمن الصناعي.
تفعيل الرقابة مع عقوبات رادعة.
وإلزام المنشآت بتأمين متطلبات السلامة مع إشراك النقابات في التفتيش.
محاسبة المسؤولين بدءاً من الإدارات المحلية.
فالمسؤولية الأولى «تقع على رأس هرم المنشأة»، ولا يمكن تمرير هذه الجرائم بحق العمال تحت أي ذريعة.
فاستمرار هذه الحوادث دون تغيير جذري هو جريمة بحق كل عامل سوري.
حان الوقت لتقول الدولة كلمة حق، أرواح العمال ليست رقماً في معادلات الإنتاج، وسلامتهم ليست ترفاً، بل واجب ومسؤولية وحق مقدس. وإلا، فلتستعدوا لمزيد من الضحايا، ليكون ما حدث ليس الأول، ولن يكون الأخير!