Skip to main content

مطالب الممرضين وضرورة الضغط باتجاه إنصاف عمّال الصحة المنهكين

 |  قاسيون  |  محليات

تمثل مطالبة الممرضين والممرضات بإصدار كتاب رسمي يُلزم جميع المشافي والمستوصفات بتطبيق دوام 37 ساعة أسبوعياً، محطة مفصلية في مسار نضال شريحة تُعتبر العمود الفقري للمنظومة الصحية.

 وتأتي هذه المطالبة في أعقاب اجتماع جمع نقابة التمريض ووزارة التعليم العالي في 14 آب، تم خلاله الاتفاق على تحديد ساعات الدوام بين 36 و37 ساعة أسبوعياً للجميع من دون تمييز.
غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب القرار، حيث يُقر وزير التعليم العالي بأن نظام عمل 37 ساعة «مطبق رسمياً»، مؤكداً حق من يعمل ساعات إضافية بالحصول على التعويضات المحددة قانوناً. بيد أن العديد من مديري المنشآت الصحية والمشافي الحكومية لا يلتزمون بهذا النظام.
إذاً القرار موجود، لكن إرادة التطبيق غائبة. وما يبدو للوهلة الأولى بأنه مجرد إهمال إداري، هو في جوهره سياسة ممنهجة لاستنزاف العاملين، حيث يستخدم غياب الرقابة الفعلية ونقص الكوادر كورقة ضغط لانتزاع جهد إضافي من دون مقابل عادل، في تناقض صارخ مع وعود وزارتي الصحة والتعليم العالي.
كما أن ما يبدو في ظاهره مجرد مطلب إداري تنظيمي من جانب الممرضين، هو معركة بين عمال الصحة من جهة، وإدارة بيروقراطية وسلطة متغاضية عن أبسط حقوقهم من جهة أخرى.
فمطالبات الممرضين لتثبيت ساعات الدوام هي جزء من معركة أوسع من أجل الكرامة والاعتراف والمساواة؛ لأن المهنة التي يُفترض أن تكون «جيش الإنقاذ» في المنظومة الصحية، تُعامل وكأنها خارج سلم أولويات الجهات المعنية.
خاصة وأن معاناتهم لا تقتصر على ساعات العمل الطويلة، والتمييز الكبير بين الدوام الصباحي والمسائي، وهو ما رفضته النقابة رفضاً قاطعاً، بل تشمل تمييزاً في بدلات الطبيعة مقارنة بفئات أخرى في القطاع الصحي، وتدني الرواتب وعدم مواكبتها للاحتياجات المعيشية، ونزيف في الكوادر.
ورغم أن النقابة تدرك حجم التحديات، وتؤكد متابعتها ملف زيادات ساعات الدوام المسائي والتمييز بين الدوامين، كما تضع ملف زيادة طبيعة العمل وتحسين الرواتب على رأس أولوياتها، وتسعى إلى إقرار تعويضات عادلة تشمل بدل العدوى وبدل الخطورة وبدل الاختصاص، إلا أنها تبقى محدودة الإمكانات، خاصة في ظل غياب الإرادة السياسية الكافية لمعالجة جذور الأزمة.
فدعوة الوزير للممرضين لمراجعة إدارات مشافيهم للمطالبة بحقوقهم، هو تهرب من المسؤولية الحكومية في فرض تطبيق القوانين، وإلقاء بالعبء على عاتق الممرضين أنفسهم.
ويبقى السؤال: كيف يمكن لشريحة تعمل في ظل نظام مناوبات قاسٍ، وتواجه أمراضاً معدية وقاتلة بشكل مباشر ومتواصل، وتتحمل وحدها المسؤولية كاملة أمام المريض والأطباء، أن تستمر بالعمل؟!
فاليوم تحتاج المهنة إنصافاً حقيقياً يعيد الاعتبار للممرضين، وينهض بالخدمات الصحية، فاستمرار سياسات التهميش ستؤدي حتماً إلى انهيار المنظومة الصحية بأكملها.
وإنصاف العاملين في القطاع ليس منّة تقدم لهم، ومطالبهم حق قانوني وتحقيقها هو استثمار في مستقبل الصحة في سورية، واعتراف بدورهم المحوري في حماية حياة السوريين.