في ورشة صغيرة في مدينة جرمانا، حيث تختلط رائحة القماش بمرارة اليأس، التقت قاسيون مع «عمر»، الذي أمضى شبابه بين الماكينات والخيوط، ليحكي جزءاً من قصة آلاف الورشات الصغيرة.
فهو بدأ العمل بثماني ماكينات، وكان حلماً يكبر بين يديه، ورشة تنتج، وعمال، وأمل. اليوم، لديه ماكينتان فقط، وآخر ما تبقى من عماله اثنان يعملان بدوام مسائي فقط.
والنصيحة التي يسمعها عند كل باب: «معك مصاري، استورد، وجيب على البلد شو ما بدك.» أما الشغل المحلي، فلا يبدو أن هناك نية للنهوض به أو دعمه. الدولة التي يُفترض أن تكون حامية غائبة، والقوانين لا تحمي، والرسوم لا تستقر، والمستورد يتحكم وبضاعته تغزو، والورشات تموت ببطء.
«الجمارك ترفع الرسوم بشكل اعتباطي»، يقول ويشرح لنا كيف أنه اشترى نحو 80 كليو غراماً من «القطن الريب بسعر محدد، وعاد بعد يومين ليشتري كمية أخرى، فإذا بالجمارك قد رفعت الرسوم بقيمة 10 سنتات.
وفي لحظة، تصبح كل حسابات التكلفة خاطئة، وكل التخطيط عبثاً. «ما هي القاعدة التي نحكم بها؟ لا قاعدة، ولا حساب، ولا أمان... إنها لعبة، ونحن في الورش خسارتنا مضمونة.»
لكن الأمر لا يقف عند الرسوم، فثمة «مرض ثانٍ» كما يسميه، يتسلل إلى جسد الصناعة المحلية بهدوء: «البالة».
هو نفسه يعترف أنه قد يشتري له ولعائلته من البالة، لأن الأسعار في السوق كاوية. لكنه يتحسّر في الوقت نفسه: «البالة ضربت شغلنا».
كيف لا وهي تدخل بكميات هائلة؟ كيف لا وهي تعبر الحدود بطريقة لا تخضع لأي منطق إلا منطق الفساد؟
فبعض السيارات المحمّلة بأطنان من الملابس تدخل عبر المعابر بمقابل زهيد؛ 200 دولار للجمارك قد تكون كافية لإدخال حمولة كاملة. بعضها يُباع كبالة، وبعضها يُنزع عنه «الليبل» ويُعاد تسويقه على أنه جديد.
«هذا ليس استيراداً، هذا احتيال وتزوير وقتل للصناعة المحلية، ومن يقف خلفه يعرف تماماً ماذا يفعل!»
من آلاف القطع إلى الصفر!
يتذكر عمر الأيام التي كانت فيها الورشة تُنتج ما بين 4000 و5000 قطعة لباس مدرسي في الموسم الواحد. اليوم، هذا الرقم أصبح ذكرى، «لا يوجد عمل من هذا النوع».
والسبب؟
وزارة التربية لم تصدر تعميماً رسمياً، والمدارس تنتظر، والورشات تبقى فارغة. فيما لا تنتج ورشته الملابس المدرسية، إلا أن البعض الآخر يحاول التكيف، فيخيط القمصان فقط، ويضيف إليها إكسسوارات تحسباً، فإن تغير التصميم المدرسي، يبيعها كأي قطعة ملابس أخرى في السوق.
ويقول معبراً: «هذا ليس إنتاجاً؛ هذا ترقبٌ وانتظار وهروبٌ من الإغلاق.»
أما عن البضاعة الأجنبية والتركية تحديداً التي تغزو الأسواق، فيقولها صراحة بأنها ليست أفضل من المنتج المحلي، لكن الفرق ليس في الجودة، كما قد يبدو للمستهلك للوهلة الأولى، بل في كل ما عداها؛ الدعم الحكومي، اللمسات النهائية، الآلات الحديثة. ويقول بحسرة: «نحن نصنع مثلهم، لكنهم يُدعمون ونحن نُهمل، هم يُشجَعون ونحن نُترك لمصيرنا».
الكهرباء تأكل الربح والعامل يبحث عن رزقه
نسأله عن الكهرباء، فيبتسم. «ماكينة الخياطة في تركيا تصرف بالساعة ما يعادل 10 ليرات، أما في سورية فتصرف 60 ليرة،» يقول. الفارق ليس بسيطاً، خصوصاً لورشة لا تستطيع تحمل تكاليف الطاقة التي أصبحت أضعافاً مضاعفة.
الكهرباء هنا ليست مجرد خدمة؛ هي عامل أساسي في معادلة الإنتاج، وعندما يكون سعرها 6 أضعاف نظيرتها في تركيا، فإن المنتج السوري لا يمكن أن ينافس، بل لا يمكنه حتى البقاء!
ويصل الحديث إلى العمال، إلى الذين تقطعت بهم السبل بين أزمة معيشية طاحنة وشغل نادر.
كان الأجر الأسبوعي للخياط الماهر قبل عام نحو600 ألف ليرة، واليوم صار مليوناً، لكن التضخم أكل هذه الزيادة، ولم تعد تغطي مصروف يومين من الاحتياجات الأساسية. خياطون كُثر غادروا المهنة، ومن بقي يبحث عن عمل في عدة ورشات، أو يعمل على ماكينة في بيته لتأمين لقمة العيش. البعض الآخر، وهم الأقل حظاً، لا يجدون شيئاً.
بعض العمال تنكب فوق الماكينة 10 و12 ساعة في اليوم، بأجر مليون أسبوعياً، وفي أغلب الأحيان أقل. «هذه ليست أجور، هذه أقرب إلى الصدقات، ومحاولة هروب من الجوع والعوز».
وقد حول السعي المحموم لأصحاب العلامات التجارية والمعامل الكبيرة لتخفيض التكاليف الساحة إلى صراع على هوامش ربح؛ حيث يفرض صاحب العمل على الورشة سعراً – قد لا يتجاوز 4000 ليرة للقطعة – من المُفترض أن يكون توزيعه ثلثاً للتكاليف، وثلثاً لصاحب الورشة، وثلث للعامل؛ إلا أن هذا الضغط المادي انتقل آلياً إلى الحلقة الأضعف وهم العمال، وأصبح العامل يأخذ أجر «مرحلة واحدة» ويعمل بسعّر مخفض، فيما يستفيد صاحب العمل من ضعف الطرفين.
الأمل الأخير
ولدت مع سقوط سلطة الأسد فكرة تأسيس نقابة أو اتحاد للخياطين؛ نقابة تحمي الورشات الصغيرة، وتدافع عن مصالحها، وتُسهّل أعمالها، وتتفاوض لتخفيف الرسوم، وتفرض حماية على المنتج المحلي، وتوقف الإغراق، وتوحد الصوت لتكون للخياطين كلمة مسموعة.
«نحن لا نطلب معجزات، نريد عدالة، ونطلب أن نعيش من شغلنا، وأن نرى أولادنا يرتدون ما نصنعه».
في هذه الورشة الصغيرة، وفي كل ورشة أخرى في سورية، هناك آلاف من أمثال «عمر»، يراوغون الموت الاقتصادي، يحاولون بآلاتهم القديمة، وآمالهم المتآكلة، وبإرادة لا تزال تنبض. ولكن كم سيبقون صامدين؟ وإلى متى سيبقى السوق قادراً على الاحتفاظ بهم قبل أن يتحول كل شيء إلى مستورد، وكل شيء إلى بالة، وكل شيء إلى ذكرى؟