قبل أن تصل قطعة اللحم إلى موائد السوريين، تمر عبر أيدي عمال لا يكاد أحد يتذكر أنهم موجودون. في المسالخ، حيث يبدأ العمل في ساعات مبكرة وينتهي بعد ساعات طويلة من الوقوف والحمل والذبح والتنظيف، يعيش هؤلاء العمال يوميات قاسية لا تحظى عادةً بالاهتمام الذي تحظى به سلامة اللحوم نفسها.
يقف العامل وسط بيئة عمل مختلفة عن معظم المهن. الدم حاضر في كل مكان، والأرضيات غالباً رطبة وزلقة، والروائح النفاذة تختلط بأصوات الحيوانات والمعدات. وبين عملية وأخرى، يتعامل العمال مع الأحشاء والجلود والمخلفات الحيوانية، وينقلون الذبائح وينظفون المكان باستمرار. إنها أعمال تتطلب جهداً جسدياً كبيراً، وتضع العامل أمام مخاطر الجروح والانزلاق والإصابات العضلية والتعرض للمواد البيولوجية.
لكن قسوة العمل لا تتوقف عند طبيعة المكان. فالعامل الذي يقضي ساعات طويلة واقفاً أو يحمل أوزاناً ثقيلة قد يعود إلى منزله بأجر بالكاد يكفي احتياجاته اليومية. وفي ظل ضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، يصبح الاستمرار في هذه المهنة بالنسبة لكثيرين ضرورة أكثر من كونه خياراً.
وتزداد هشاشة هؤلاء العمال عندما تغيب الضمانات. فالعامل غير المسجل أو الذي يعمل بصورة غير مستقرة قد يجد نفسه أمام إصابة عمل من دون حماية كافية، أو مرض مهني لا يعرف كيف يثبت علاقته بعمله، أو فترة انقطاع عن العمل تعني ببساطة انقطاع مصدر دخله. وهنا يصبح الجرح داخل المسلخ مشكلة تتجاوز الألم الجسدي إلى الخوف من خسارة العمل والدخل.
ولا تتوفر في البيانات العامة المنشورة معلومات كافية ترسم صورة دقيقة عن حجم هذه المشكلات بين عمال المسالخ في سورية تحديداً، وهو بحد ذاته جانب من جوانب التهميش، فهذه الفئة نادراً ما تظهر كرقم مستقل في النقاش العام حول سوق العمل أو إصابات العمل.
المفارقة أن الحديث عن المسالخ غالباً ما ينصب على صحة المستهلك وجودة اللحوم، بينما يبقى العامل الذي يقف في بداية هذه السلسلة خارج الصورة. فسلامة الغذاء لا ينبغي أن تعني سلامة المنتج وحده، بل سلامة الإنسان الذي ينتجه أيضاً.
وتأتي أهمية القضية في وقت يشهد فيه قطاع المسالخ إعادة تأهيل وتوسعة. فقد أعلنت الجهات الرسمية في سورية خلال عام 2026 وجود 110 مسالخ، بينها 75 مسلخاً جاهزاً للخدمة، إلى جانب خطة لتوظيف أكثر من 500 عامل.
هذه الخطوات تفتح فرصة لطرح سؤال طالما غاب خلف أبواب المسالخ: هل ستتغير حياة العامل مع تغير المنشأة؟
العامل يحتاج إلى أجر عادل، وساعات عمل إنسانية، ومعدات حماية مناسبة، وتدريب، وتأمين ضد إصابات العمل، ورعاية صحية وضمانات واضحة. فليس من المنطقي أن نطالب بأن تكون اللحوم آمنة للمستهلك، بينما يبقى الشخص الذي يتعامل معها يومياً معرضاً للخطر.
عمال المسالخ ليسوا مجرد أيدٍ مجهولة خلف اللحوم. إنهم عمال يؤدون واحدة من أكثر المهن مشقة وحساسية، ويستحقون أن تُسمع أصواتهم، وأن تُرى معاناتهم، وأن يصبح تحسين ظروفهم جزءاً أساسياً من أي حديث عن تطوير المسالخ وسلامة الغذاء في سورية.