Skip to main content

حين يُدار التعليم بعقود مؤقتة... معلم قلق، مدرسة مضطربة، وطلاب يدفعون الثمن

 |  قاسيون  |  محليات

لم تعد احتجاجات المعلمين المتعاقدين في سورية مجرد وقفات مطلبية متفرقة يمكن اختزالها في المطالبة بتجديد عقد هنا أو تثبيت معلم هناك. ما يجري في اللاذقية وطرطوس والرقة وإدلب وغيرها، وما يأخذ أشكالاً احتجاجية واعتصامات، وصولاً إلى التحرك أمام وزارة التربية والتعليم في دمشق، يكشف أزمة أعمق في إدارة واحد من أكثر القطاعات حساسية... أزمة استقرار المعلم واستدامة العملية التعليمية. فقد خرج معلمون في إدلب، مثلاً، للمطالبة بتجديد عقودهم والعودة إلى مواقعهم التعليمية، مؤكدين أن سنوات العمل لا يمكن أن تبقى معلقة على قرارات تجديد متلاحقة.

المشكلة أن المعالجة الرسمية جاءت حتى الآن أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها. الوزارة أعلنت استقبال 32,545 طلباً لتجديد العقود وتجديد 31,800 عقد بعد دراسة الشروط، وربطت التجديد بالحاجة الفعلية والشواغر وتطابق الاختصاص، وقالت إن بعض العقود لم تُجدد لأسباب تتعلق بالمؤهلات أو بالحاجة، وإن بعض المعلمين المنقولين أعيدوا إلى أماكن تعاقدهم الأصلية بعد رصد فائض في أماكن عملهم الحالية.
قد يبدو الرقم كبيراً ومطمئناً للوهلة الأولى: أكثر من واحد وثلاثين ألف عقد جرى تجديده. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بحدة هو: تجديد إلى متى؟ وإلى أي مستقبل؟ فالقرار، وفق الوثيقة التي بين أيدي المعلمين، لا يؤسس لاستقرار وظيفي دائم، بل يمدد حالة التعاقد المؤقت. وإذا كان العقد ينتهي مع نهاية السنة المالية، فإن المعلم الذي يدخل الصف في أيلول وهو يعلم أن مستقبله الوظيفي سيُعاد بحثه بعد أشهر قليلة لا يمكن أن يشعر بأنه انتقل من مرحلة عدم اليقين إلى مرحلة الاستقرار، لقد حصل على تأجيل جديد للقلق فقط.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي ألا تغيب عن وزارة التربية؛ العام المالي ليس هو العام الدراسي. الدولة تستطيع أن تنظر إلى العقد من زاوية الاعتماد المالي والسنة المالية، لكن المدرسة لا تعمل بهذه الطريقة. المعلم يدخل عاماً دراسياً كاملاً، ويُسند إليه طلاب وصفوف ومناهج، ويبني علاقة تربوية معهم، ويتابع مستوياتهم ونقاط ضعفهم، ويضع خططاً علاجية، ثم يُفترض أن تستمر هذه العملية بصورة متصلة. أما أن يبقى المعلم معلقاً بين تجديد محتمل ونقل محتمل وعدم تجديد محتمل، فذلك يعني أن الاستقرار الذي تحتاجه المدرسة لا يزال غائباً.
ولهذا فإن اختزال اعتراضات المعلمين في «المطالبة بالتثبيت» فقط لا ينصف القضية. هناك من لم يُجدد عقده، وهناك من جُدد عقده لكنه يعترض على إعادته إلى مكان التعاقد الأصلي، وهناك من يعمل منذ سنوات بعقود مؤقتة ويرى أن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولاً، وهناك معلمون لديهم ملفات سابقة أو أوضاع وظيفية خاصة ينتظرون تسويتها. وقد ظهرت هذه الاعتراضات بوضوح في احتجاجات اللاذقية وطرطوس، حيث طالب معلمون بالاستقرار والتثبيت ورفضوا إعادة توزيعهم إلى مناطقهم الأصلية.
والأخطر أن هذه الاحتجاجات لم تعد حادثة منفردة. عندما يخرج المعلمون في أكثر من محافظة، وعندما تنتقل المطالب إلى العاصمة، فهذا يعني أن هناك خللاً بنيوياً لا يمكن معالجته ببيان توضيحي أو بقائمة جديدة من العقود. فالاحتجاج نفسه أصبح وسيلة المعلمين للقول إنهم لا يريدون أن يعيشوا كل عام الحالة ذاتها؛ هل جُدد العقد؟ أين سأعمل؟ هل يوجد شاغر؟ هل سأُنقل؟ هل سيُعترف بخدمتي؟ ماذا سيحدث في نهاية السنة؟

وقد تقول الوزارة، بحق، إن التثبيت الشامل يحتاج إلى تشريعات ومرسوم أو إلى إطار قانوني جديد، وإنها لا تملك وحدها صلاحية تحويل جميع المتعاقدين إلى موظفين دائمين. لكن هذا التفسير، حتى لو كان صحيحاً من الناحية الإجرائية، لا يعفي الوزارة من مسؤولية تصميم مرحلة انتقالية أكثر عدلاً واستقراراً. فالقول إن التثبيت يحتاج إلى قانون لا يجيب عن سؤال: ماذا سنفعل بالمعلم خلال الفترة التي تسبق صدور القانون؟
المطلوب ليس بالضرورة قراراً ارتجالياً بتثبيت عشرات الآلاف دفعة واحدة، وإنما خريطة طريق معلنة وشفافة؛ عقد يضمن استقرار المعلم حتى نهاية العام الدراسي على الأقل، معايير واضحة للتثبيت التدريجي، احتساب سنوات الخدمة، معالجة عادلة لمن اجتازوا مسابقات سابقة، وتسوية أوضاع من أعيدوا إلى التعليم بعد الفصل، وإعادة النظر في توزيع الكوادر وفق الحاجة الفعلية للمدارس لا وفق مكان العقد وحده.
فالمعلم ليس رقماً في جدول مالي، والمدرسة ليست خانة في ملاك إداري. المعلم هو العنصر الذي يحمل المنهج إلى الطالب، ويعرف مستواه، ويتابع تطوره، ويؤسس معه علاقة تعليمية تحتاج إلى الوقت والاستقرار. وإذا كان المعلم نفسه لا يعرف أين سيكون بعد بضعة أشهر، فكيف نطلب منه أن يبني للطالب مستقبلاً طويل الأمد؟
إن أخطر ما في استمرار هذه المعالجة الجزئية أنها قد تمنح انطباعاً بأن المشكلة حُلت لأن آلاف العقود جُددت، بينما الحقيقة أن جوهر الأزمة بقي قائماً. التجديد ليس تثبيتاً، وتغطية الرواتب ليست استقراراً، وإعادة توزيع المعلمين ليست بالضرورة تخطيطاً تربوياً، وإغلاق ملف إداري مؤقت لا يعني إغلاق الأزمة.

المطلوب من وزارة التربية أن تنظر إلى احتجاجات المعلمين لا باعتبارها ضغطاً يجب احتواؤه، بل باعتبارها إنذاراً تربوياً. فحين يقلق المعلم على مستقبله، تقلق معه المدرسة، وحين تضطرب المدرسة يدفع الطالب الثمن. وفي بلد يحتاج إلى إعادة بناء منظومته التعليمية، لا يجوز أن تكون استدامة تعليم التلاميذ والطلاب معلقة كل عام على قرار تجديد عقد. فاستقرار المعلم ليس امتيازاً وظيفياً، إنه جزء من حق الطالب في تعليم مستقر، ومن حق المجتمع في مدرسة تستطيع أن تبني مستقبلاً لا أن تدير عاماً دراسياً عاماً بعد عام.
إن استمرار معالجة ملف المعلمين بمنطق «التجديد المؤقت ثم الانتظار» ليس حلاً، بل ترحيل للأزمة إلى موعد لاحق. فالمعلم الذي يُطلب منه أن يبني أجيالاً ويؤسس للاستقرار داخل الصف لا يجوز أن يبقى هو نفسه أسيراً لعدم الاستقرار والقلق على لقمة عيشه ومكان عمله. وما يجري اليوم من اعتصامات واحتجاجات ليس ضجيجاً عابراً ولا مجرد مطالب فئوية، بل رسالة واضحة إلى وزارة التربية بأن المدرسة لا يمكن أن تستقر بمعلم غير مستقر، والتعليم لا يمكن أن يستمر بعقلية العقود المؤقتة. وإذا كانت الوزارة قد استطاعت أن تجد حلاً إدارياً مؤقتاً لعشرات الآلاف من العقود، فإن التحدي الحقيقي يبدأ الآن: أن تتوقف عن إدارة المشكلة عاماً بعد عام، وأن تقدم مساراً واضحاً وعادلاً ينهي حالة التعليق الوظيفي. وإلا فإن الثمن لن يدفعه المعلم وحده، سيدفعه الطالب من تعليمه، وستدفعه سورية من مستقبلها.