الأندية الرياضية في صالات المزاد العلني... من تسليع الفرح إلى تغييب الهوية
3,51 مليون دولار هو ثمن الدور السوري الممتاز للرجال، وكأس الجمهورية، وأسماء الملاعب، وعرق اللاعبين، وحتى أنفاس الجماهير. بعد أن طرح «أبطال» الاتحاد العربي السوري لكرة القدم، الرياضة كسلعة يُزايد عليها من يدفع أكثر!
بيع الهواء!
يقدم المسؤولون فكرة «الشركات المساهمة»، ويتحدثون عن «مشاركة الجماهير» في الملكية. إلا أن هذه الدعوة هي استخفاف بعقول الناس، ومحاولة لتجميل مشروع تصفية، وتغليف الخصخصة بغطاء تشاركي زائف.
فالجماهير لن تملك أبداً، وستصبح الأندية ملكية خاصة لقلّة من الشخصيات المتنفذة؛
والنتيجة أن النادي لم يعد ملكاً للناس، بل أصبح سلعة في يد «المستثمر». وأسوأ ما في الأمر أن المسؤولين يتحدثون عن هذا الطرح ببرود من يبيع سيارة مستعملة، وليس كياناً روحياً عاش في وجدان الأجيال.
اجترار الكارثة
يأتي الاتحاد ليسوق هذه «الفكرة الجهنمية» بقصص حول نماذج من دول أخرى، ولكن التاريخ يشهد بأن الخصخصة في العديد من الدول أدت إلى تضخيم أجور اللاعبين، وإفلاس الأندية الصغيرة، وتحويل الكرة إلى مسرح للمال القذر، وفقدان البُعد المجتمعي للرياضة.
وفي النهاية، دفع الجمهور الثمن، بارتفاع أسعار التذاكر، وتحول الملاعب إلى فنادق خمس نجوم.
وإن كانت هذه «النماذج» كارثية في بلدان تمتلك من البنى التحتية والمقومات ما لا تمتلك سورية اليوم ربعه، فأي نموذج كارثي ينتظر الرياضة إذاً في بلد عانى عقوداً من الفساد والانهيار وما زال، وشعب لا يملك ترف متابعة عمليات البيع والشراء في بورصة الرياضة، و«المساهمة»، بينما هو غارق في هموم الكهرباء والماء والصرف الصحي؟!
أولويات مشوهة
ما يسوّق له هو تحويل للرياضة من فضاء للفرح إلى سوق للسلع والخدمات. وهجوم على البعد الاجتماعي والثقافي للرياضة.
فمشروع الخصخصة هو مشروع فصل الجماهير عن أنديتها، وتحويل العلاقة الوجدانية إلى علاقة استهلاكية، وتغييب الهوية لصالح العلامة التجارية. وهو مشروع يفترض أن السوري قادر على الشراء، بينما هو بالكاد يبحث عن قوت يومه.
وفي وقت يحتاج فيه السوريون إلى إعادة بناء دولة قادرة على توفير الخدمات الأساسية، يأتي الحديث عن خصخصة الرياضة كرسالة مفادها أن الدولة تتنصل من مسؤولياتها بذريعة «الإصلاح الإداري» و«نقص التمويل».
وبدلاً من البحث عن تمويل حقيقي لإعادة تأهيل الملاعب والاستثمار في مستقبل الشباب، تبحث الحكومة عن طريقة لتصفية التزاماتها المالية تجاه هذا القطاع.
بينما ما تحتاجه الجماهير والرياضة عموماً هو إعادة بناء بعد عقود من الفساد والإهمال، بأموال الدولة وليس بأسهم الناس؛ فالرياضة حق للجميع، وليست حكراً على قلّة، والملعب مساحة للجماهير، وليس لوحة إعلانية، واللاعب ابن المجتمع، وليس سلعة في مزاد علني.