يمثل قرار اعتماد نظام الدفع والتحول الإلكتروني في سورية خطوة مهمة على طريق تحديث النظام المالي، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً واسعاً أمام أسئلة لا تقل أهمية عن القرار نفسه: هل البنية التحتية جاهزة فعلاً؟ هل المواطن والتاجر يثقان بالنظام المالي بما يكفي لترك النقد؟ هل منظومة الأمان وحماية البيانات قادرة على مواجهة المخاطر؟ والأهم، هل يمكن أن ينجح الدفع الإلكتروني في اقتصاد تُفرض فيه سياسات تؤدي إلى حبس السيولة أو تقييد الوصول إليها؟
لا شك أن الانتقال من الاقتصاد النقدي إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الوسائل الإلكترونية يحمل فوائد كبيرة. فهو يقلل كلفة تداول النقد، ويسرع عمليات الدفع والتحويل، ويساعد على توسيع الشمول المالي، ويتيح قدراً أكبر من الشفافية في النشاط الاقتصادي. كما أن بناء منظومة دفع حديثة يمكن أن يشكل قاعدة ضرورية لربط الاقتصاد السوري مستقبلاً بالشبكات الإقليمية والدولية. لكن المشكلة تبدأ عندما يُنظر إلى الدفع الإلكتروني باعتباره مشروعاً تقنياً يمكن إنجازه بإصدار التراخيص وإطلاق التطبيقات والبطاقات والمحافظ.
الدفع الإلكتروني قبل أن يكون تطبيقاً على الهاتف هو «ثقة» في النظام المالي. المواطن الذي يحتفظ بأمواله نقداً يستطيع رؤيتها ولمسها واستخدامها مباشرة. أما عندما تتحول مدخراته إلى أرقام في حساب أو محفظة إلكترونية، فإنه يصبح معتمداً على المصرف وشركة الدفع وشبكة الاتصالات والكهرباء والأنظمة المركزية والقواعد القانونية التي تحكم كل ذلك. لذلك فإن أي تجربة سابقة أو حالية تجعل المواطن يخشى من تجميد أمواله أو تأخير السحب أو تقييد التحويلات ستبقى عائقاً نفسياً واقتصادياً أمام التحول الإلكتروني، مهما كانت جودة التطبيق.
ومن هنا تأتي مسألة الأمان بوصفها شرطاً تأسيسياً لا ميزة إضافية. المطلوب ليس فقط حماية النظام من الاختراق، بل حماية المستخدم من الاحتيال وسرقة الحسابات وانتحال الهوية والأخطاء التقنية، مع وجود آلية واضحة وسريعة لتعويض المتضررين. ماذا يحدث إذا حُوّل مبلغ بالخطأ؟ من يتحمل المسؤولية إذا تعرض الحساب للاختراق؟ ماذا يفعل المواطن إذا تعطلت المنصة في لحظة يحتاج فيها إلى أمواله؟ وماذا يحدث إذا أُوقف حسابه بصورة آلية أو احترازية؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات قانونية ومؤسسية واضحة، لأن الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بقدرة النظام على حماية المواطن عندما يحدث الخطأ.
وتزداد حساسية المسألة في ظل البنية التحتية السورية. فالتحول الإلكتروني يحتاج إلى كهرباء مستقرة، واتصالات موثوقة، وشبكات بيانات قادرة على تحمل الضغط، ومراكز بيانات احتياطية، وأنظمة تعاف من الكوارث، وربط متين بين المصارف ومقدمي خدمات الدفع. لا يمكن إقناع المواطن بالتخلي عن النقد إذا كان احتمال تعطل الخدمة قائماً بسبب انقطاع الكهرباء أو الإنترنت. ولا يمكن مطالبة التاجر بالاعتماد على الدفع الإلكتروني إذا كان توقف الشبكة يعني توقف مبيعاته. لذلك فإن بناء منظومة الدفع يجب أن يترافق مع استثمارات حقيقية في الاتصالات والطاقة والبنية الرقمية، وإلا تحولت التكنولوجيا إلى واجهة حديثة فوق بنية تشغيلية هشة.
لكن التحدي الأكثر حساسية قد لا يكون تقنياً أصلاً، بل مالي ونقدي. فإذا استمر العمل بسياسات تؤدي عملياً إلى حبس السيولة أو تقييد قدرة الأفراد والشركات على الوصول إلى أموالهم وتحويلها واستخدامها بحرية ضمن القواعد القانونية، فإن التحول الإلكتروني قد ينتج نتيجة عكسية تماماً. المواطن لن يرفض الدفع الإلكتروني لأنه لا يحب التكنولوجيا، بل لأنه يخشى أن تصبح أمواله أكثر قابلية للتقييد عندما تنتقل من جيبه إلى حساب يمكن التحكم بحركته. عندها سيبدو الدفع الإلكتروني، في نظر شريحة من الناس، ليس وسيلة لتسهيل الوصول إلى المال، وإنما وسيلة أكثر كفاءة لمراقبة السيولة أو التحكم بها.
وهذه نقطة ينبغي التعامل معها بمنتهى الجدية؛ لا يمكن بناء الثقة الرقمية من دون بناء ثقة مالية. فإذا كان المواطن يستطيع أن يدفع إلكترونياً، لكنه لا يضمن قدرته على السحب أو التحويل أو استخدام رصيده في الوقت الذي يحتاج إليه، فإن انتشار المحافظ والبطاقات لن يعني بالضرورة نجاح التحول. وقد يؤدي الأمر إلى ظاهرة أكثر خطورة، هي وجود «نظام دفع إلكتروني» من جهة، واستمرار الاقتصاد النقدي الموازي من جهة أخرى، بحيث يحتفظ الناس بالنقد خارج النظام تحسباً لأي قيود مستقبلية.
لذلك يجب أن يكون المبدأ الحاكم واضحاً؛ التحول الإلكتروني ينبغي أن يجعل السيولة أكثر سهولة وأماناً وسرعة في التداول، لا أن يجعل الوصول إليها أكثر صعوبة. وإذا كانت هناك قيود ضرورية لأسباب تتعلق بمكافحة غسل الأموال أو حماية النظام المالي، فيجب أن تكون محددة قانونياً، ومتناسبة، وشفافة، وقابلة للمراجعة والاعتراض، لا أن تتحول إلى قيود عامة ودائمة تضعف الثقة.
كما أن نجاح القرار يتطلب منافسة حقيقية بين مقدمي خدمات الدفع، ورسوماً منخفضة، ومعايير موحدة للتشغيل البيني بين المحافظ والمصارف، وحماية قوية لبيانات المستخدمين. فلا معنى لمنظومة إلكترونية حديثة إذا اضطر المواطن إلى امتلاك عدة تطبيقات لإجراء معاملات بسيطة، أو إذا كانت عمولات الدفع مرتفعة، أو إذا كان التاجر يتحمل كلفة تجعل النقد أكثر جاذبية.
في النهاية، قرار التحول الإلكتروني يمكن أن يكون نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد السوري، لكنه لن ينجح بمجرد إنشاء منظومة تقنية. نجاحه يتوقف على معادلة أبسط وأعمق؛ أن يشعر المواطن بأن أمواله آمنة، وأنها متاحة له، وأن النظام يعمل عندما يحتاج إليه، وأن القانون يحميه إذا حدث خطأ، وأن التحول الإلكتروني لا يعني التخلي عن حقه في الوصول إلى سيولته.
فالتكنولوجيا تستطيع أن تبني شبكة دفع خلال وقت قصير، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني الثقة. والثقة هي العملة الحقيقية التي سيُقاس بها نجاح التحول المالي السوري.