مقترح إعادة دراسة تعرفة النقل لغياب «الفراطة...» ترقيع يحول العجز النقدي إلى حرب فقراء ضد فقراء...!
في الوقت الذي ينبغي أن تنشغل فيه الدولة بتأمين أبسط مقومات العيش لمواطنيها، يبرز مقترح المؤسسة العامة لنقل الركاب في دمشق وريفها بإعادة دراسة تعرفة المواصلات بحجة «جبر الكسور» و«التوافق مع الفئات النقدية المتداولة»، ليبدو الأمر وكأن الأزمة وُلدت مع الخمسمئة الزرقاء.
لكن الحقيقة المُرّة أن المسألة أبعد من كسور»، إنها حلقة جديدة من مسلسل إدارة الأزمات بالترقيع، وتحميل الشعب المنهَك ثمن عجز الدولة عن توفير فئات نقدية صغيرة، ليصبح المواطن وجيبه المفقر في فوهة المدفع مرة أخرى!
استنزاف يومي صامت
لم يكن انتهاء مهلة استبدال العملة مجرد إجراء نقدي، بل كشفُ خللٍ عمليٍّ أصاب قلب الحياة اليومية، بغياب الفئات الصغيرة وندرة أوراق 10 و25 ليرة، وغياب تام لفئة 5 ليرات، هذا النقص تحول إلى استنزاف جماعي صامت، خمس ليرات تُضاف هنا، وعشر تُقرب هناك، وباقٍ لا يُعاد.
وفي المواصلات، يضطر الراكب إما لدفع أكثر من الأجرة أو الدخول في جدال متكرر مع السائق.
والحل الرسمي «العبقري» المقترح!
تعديل التعرفة «رفعها أو خفضها» إلى أرقام صحيحة خالية من الكسور أي حل الأزمة بتحميل المواطن المفقر كلفتها عبر رفع الأجرة، أو تحميل السائق خسائر إضافية وهو يئنّ أصلاً تحت غلاء المحروقات والصيانة، فالطرفان لا يحتملان مزيداً من الضغوط المعيشية والاقتصادية، فلماذا تُفتعل معركة خاسرة بين الفقراء؟
وكأن غياب الفئات الصغيرة خطأ المواطن لا خطأ السياسة النقدية.
فهل هذا يحقق التوازن بين حقوق السائق وقدرة المواطن وفق حديث المؤسسة؟!
حين يهزم السوق القرار
المفارقة الأكبر أن الناس قد أوجدوا الحل بمفردهم أصلاً، بإحياء الـ 500 الزرقاء رغم قرار سحبها وفقدان شرعيتها وموتها رسمياً، لكن مع غياب الفئات الصغيرة بقيت حية شعبياً وأصبحت هذه الورقة هي «الفراطة» الفعلية التي تسدّ الفجوة بين السعر المعلن والسعر
المدفوع، لذا لم يدافع الناس عنها حباً بها، وإنما دفاعاً عن حقهم في أن يدفعوا السعر كما هو، لا كما يفرضه غياب «الفراطة».
وهنا يبرز السؤال المُلُح، إن كان المواطنون قادرين على إيجاد حلول مبتكرة لتجاوز فشل السياسة النقدية، فلماذا لا تستطيع الدولة تقديم حل جذري بدل الترقيع المستمر؟!
بالمحصلة
المطلوب، ليس إعادة هندسة التعرفة لتتناسب مع غياب الفئات الصغيرة، بل دراسة استعادة الثقة بالعملة من خلال توفير فئاتها الصغيرة، وإلا فلتستمر الخمسمئة الزرقاء في أداء دورها، ولتبقَ الدولة تتفرج على انتصار الضرورة على القرار، في مشهد يعيد تعريف معنى «العملة الوطنية: ليست ما يطبعه المصرف المركزي، بل ما يحتاجه المواطن في جيبه حين يستقل السرفيس».
العملة ليست رمزاً وطنياً فحسب بل أداة يومية تعمل في أصغر عملية شراء. وإذا استمر نقصها، فستبقى السوق تعمل بالتقريب والارتجال، وسيدفع المواطن ثمن كل فجوة في التخطيط، ليرة بعد ليرة.
القرارات تستطيع أن تعلن نهاية الأشياء، لكنها لا تستطيع أن تنهي الحاجة إليها ما دام البديل غائباً.
فبدلاً من دراسة تعديل أجور النقل، على الدولة أن تدرس كيف تؤمن «الفراطة» التي أوقفت الخمسمئة الزرقاء عند حافة الهاوية، وأعادت لها شرعية لم يمنحها إياها أي قرار رسمي.
وإلا فإن هذا المقترح ليس سوى وجه آخر لسياسات اللا مبالاة التي تتعامل مع أعراض الأزمة لا أسبابها وتتمعن في تحويل العجز الحكومي إلى حرب يومية بين الفقراء.