Skip to main content

«صناعة سورية...» قرار بثلاث مواد وأسئلة بلا إجابات

 |  قاسيون  |  محليات

كان يفترض أن يكون إطلاق برنامج «صناعة سورية» بداية لتحويل الحديث عن دعم الصناعة من عبارات عامة إلى سياسة حكومية واضحة ومحددة وقابلة للتنفيذ والقياس. لكن قراءة القرار رقم (136) الصادر عن وزارة الاقتصاد والصناعة تكشف فجوة كبيرة بين ما يوحي به اسم البرنامج وما يحمله نصه فعلياً. فالقرار، رغم أهمية الفكرة التي ينطلق منها، لا يزال أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى برنامج صناعي متكامل، ويترك أسئلة جوهرية أكثر مما يقدم من إجابات.

المادة الأولى تضع أهدافاً عريضة للبرنامج: «استعادة الكفاءة الإنتاجية للمنشآت الصناعية، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وتنمية الصادرات». لا أحد يختلف على أهمية هذه الأهداف، لكن المشكلة أن القرار لا يضع طريقاً واضحاً للوصول إليها. كيف ستُستعاد الكفاءة الإنتاجية؟ كيف ستُخفض تكاليف الإنتاج؟ كيف ستُعالج مشكلات التمويل والطاقة ومدخلات الإنتاج؟ وكيف ستُدعم الصادرات؟ لا نجد في القرار إجابات عن ذلك.
بل إن المادة نفسها تتحدث عن «مسارات الدعم» التي ستخضع للتقييم السنوي، من دون أن تحدد ماهية هذه المسارات. وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات القرار: الحديث عن دعم لم يُعرّف، ومسارات لم تُحدد، ومزايا لا نعرف ما هي.

المادة الثانية أكثر وضوحاً في شروطها، لكنها أكثر غموضاً في آلياتها. فهي تشترط للاستفادة من «مزايا البرنامج» أن تكون المنشأة مرخصة أو في طور التسوية التشغيلية، وأن تحقق قيمة مضافة محلية لا تقل عن 40% في المنتج النهائي، وأن تلتزم بالمواصفات والجودة. لكن كيف ستُحسب نسبة الـ40%؟ ما المعادلة المعتمدة؟ هل تحسب على أساس تكلفة الإنتاج أم سعر المنتج النهائي؟ وما الذي يدخل في القيمة المضافة وما الذي يستبعد؟ ومن هي الجهة التي ستدقق هذه النسبة وتقرر أن المنشأة حققتها؟
والسؤال الأكثر إحراجاً: ما هي مزايا البرنامج أصلاً؟
القرار لا يحددها. لا يذكر إعفاءات ضريبية، ولا تسهيلات جمركية، ولا تمويلاً ميسراً، ولا دعماً للطاقة، ولا حوافز للتصدير، ولا أولوية في المشتريات الحكومية، ولا أي حافز محدد يمكن للصناعي أن يبني عليه قراراً استثمارياً. أي إن القرار يحدد للصناعي ما عليه أن يقدمه، لكنه لا يحدد بوضوح ما سيحصل عليه في المقابل.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك. فالقرار لا يحدد جهة استقبال الطلبات، ولا آلية الاعتماد، ولا لجنة التقييم، ولا مدة دراسة الطلب، ولا آلية الاعتراض، ولا الوثيقة التي تثبت انضمام المنشأة إلى البرنامج. كما أنه لا يتضمن مادة تنص على إصدار تعليمات تنفيذية تشرح هذه المسائل.

هنا تحديداً يتحول النقص من مجرد تفصيل إداري إلى مشكلة في جوهر البرنامج. فالصناعة لا تتحرك بالأهداف وحدها، ولا يمكن لمعمل أن يوسع إنتاجه أو يستثمر أو يوظف أو يخطط للتصدير بناءً على عبارة عامة عن «مزايا البرنامج». الصناعي يحتاج إلى قواعد واضحة ومعلنة: ما الدعم؟ كم قيمته؟ من يستحقه؟ كيف يحصل عليه؟ وما مدة الاستفادة منه؟

القرار 136 قد يكون خطوة أولى، لكن الخطوة الأولى لا ينبغي أن تُقدم باعتبارها برنامجاً مكتمل الملامح. فبين إطلاق اسم «صناعة سورية» وبين امتلاك سياسة صناعية تحمل هذا الاسم مسافة واسعة، لا يملؤها البيان الرسمي، بل تملؤها التفاصيل والآليات والتمويل والالتزامات والجداول الزمنية وآليات الرقابة والمساءلة.

المشكلة إذاً ليست في أن القرار طموح، المشكلة أنه طموح في أهدافه، مقتصد إلى حد كبير في أدواته. وإذا لم تلحق به سريعاً حزمة واضحة من القرارات والتعليمات والحوافز وآليات التنفيذ، فسيبقى «صناعة سورية» عنواناً جذاباً لسياسة لم تكتمل بعد، وسيبقى السؤال مشروعاً: هل نحن أمام بداية صناعة سياسة صناعية، أم مجرد قرار يحمل شكل البرنامج من دون مضمونه؟