Skip to main content

أطفال حلب ليسوا أرقاما.ً.. ظاهرة تستدعي مواجهة وطنية شاملة

 |  قاسيون  |  محليات

لم يعد ملف الأطفال المنتشرين في شوارع حلب للعمل أو التسول مجرد مشهد يومي اعتاد عليه المجتمع، بل بات قضية حماية وطنية بعد التصريح الذي أدلى به رئيس فرع مكافحة الاتجار بالبشر في محافظة حلب أسامة الشيخ، والذي كشف عن أرقام وتفاصيل شديدة الخطورة. وبحسب التصريح، ينتشر نحو 1200 طفل في شوارع المدينة للعمل أو امتهان التسول، فيما خضع نحو 60 طفلاً لفحوص طبية، قال الشيخ إن نتائجها أظهرت تعرض أغلبهم لأشكال من العنف الجنسي. كما تحدث عن فتاة تبلغ نحو 14 عاماً كانت برفقة رضيع عمره نحو شهر، وعن خلية مرتبطة بالتسول استغرقت متابعتها نحو خمسة أشهر، يديرها أربعة أو خمسة أشخاص وكان تحت سيطرتها نحو 50 طفلاً.

هذه الأرقام، إن تأكدت بمنهجية إحصائية وقضائية وطبية واضحة، لا تعني مجرد ارتفاع عدد المتسولين في مدينة سورية كبيرة، وإنما تكشف عن مشكلة مركّبة تتقاطع فيها عمالة الأطفال، والتسرب من التعليم، والفقر، والتشرد، والاستغلال المنظم، وربما الاتجار بالبشر والعنف. لكن أهمية الأرقام نفسها تفرض التعامل معها بحذر، فرقم 1200 طفل، مثلاً، يحتاج إلى توضيح طريقة احتسابه؛ هل هو عدد الأطفال الذين جرى رصدهم خلال فترة محددة، أم تقدير لحظي، أم مسح ميداني شامل؟ وكذلك فإن الحديث عن 60 طفلاً خضعوا لفحوص لا يكفي وحده لإثبات حجم الاعتداءات الجنسية ما لم تُعلن الجهة الطبية المختصة طبيعة الفحوص ونتائجها ضمن إطار يحمي خصوصية الأطفال. أما قصة الفتاة والرضيع، فهي حالة بالغة الحساسية لا ينبغي تحويلها إلى استنتاجات مسبقة قبل استكمال التحقيقات الطبية والاجتماعية والقضائية.

ومع ذلك، فإن خطورة هذه المعطيات لا تتوقف على دقة كل رقم فيها، لأن أرقاماً أخرى من مدن سورية مختلفة تؤكد أن الظاهرة أوسع من حلب. ففي دمشق وريفها، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في كانون الثاني الماضي احتواء 185 حالة تسول، بينها 13 امرأة والباقي أطفال، ونُقل هؤلاء إلى مراكز آمنة وبرامج للرعاية والدعم النفسي والقانوني والطبي. وأكدت الوزارة أن أغلب المتسولين أطفال، وأن بعضهم يُستغل ويُشغل من قبل أشخاص آخرين، وأحياناً من قبل أفراد من أسرهم. وفي حمص، أعلنت الجهات المعنية في تموز الماضي معالجة 1787 حالة خلال ستة أشهر بعد تنفيذ 1577 جولة ميدانية، مع التأكيد على أن الأطفال يمثلون إحدى الفئات الأساسية التي تستهدفها الحملة.

لكن هذه الأرقام لا يجوز جمعها ببساطة للوصول إلى رقم وطني، فهي تستخدم تعريفات مختلفة، فـ1200 في حلب تشير إلى أطفال، بينما 1787 في حمص تشير إلى حالات تسول جرى رصدها ومعالجتها. وهذه الملاحظة ليست تفصيلاً إحصائياً، بل شرط أساسي لفهم حجم المشكلة ووضع سياسة عامة مبنية على الأدلة.
والأهم أن الحملات الأمنية، على ضرورتها، لا تستطيع وحدها تجفيف الظاهرة. إخراج الطفل من الشارع دون معالجة السبب الذي دفعه إليه قد يعني عودته بعد أيام أو استبداله بطفل آخر. المطلوب هو الانتقال من منطق «مكافحة التسول» إلى منظومة متكاملة لحماية الطفل؛ تفكيك الشبكات التي تجني المال من استغلاله، وتتبع الأموال والمسؤولين عنها، وتوفير حماية قانونية وطبية ونفسية للأطفال، وإعادة القادرين منهم إلى التعليم، ودراسة أوضاع أسرهم، وتقديم دعم اقتصادي للأسر التي يدفعها الفقر إلى الاعتماد على دخل الطفل، مع اتخاذ إجراءات قضائية حازمة عندما يكون أحد أفراد الأسرة أو غيره شريكاً في الاستغلال.

وهنا تصبح المسؤولية مشتركة بين وزارة الداخلية والقضاء ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة التربية والسلطات المحلية والقطاع الصحي ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى المجتمع نفسه. فالمواطن الذي يدفع المال لطفل في الشارع قد يقصد مساعدته، لكنه من دون قصد قد يحافظ على السوق الذي يجذب المستغلين. لذلك ينبغي توفير قنوات موثوقة للتبرع ومساعدة الأسر والأطفال بدل تمويل التسول مباشرة.
إن الرقم الذي أُعلن في حلب يجب ألا يكون مناسبة لحملة مؤقتة، بل جرس إنذار لإطلاق مسح وطني موحد للأطفال في الشوارع، يحدد أعدادهم وأعمارهم وأوضاع أسرهم ومواقع انتشارهم وأنماط استغلالهم، ويضع قاعدة بيانات تحمي خصوصيتهم وتسمح بكشف الشبكات العابرة للمحافظات. وإذا كانت الأرقام المعلنة تعكس جزءاً من الواقع، فإن ترك الملف في إطار الحملات الموسمية يعني معالجة العرض وإبقاء الأسباب. أما المعالجة الجدية فتبدأ عندما يصبح الهدف ليس اختفاء الأطفال من الشوارع، بل اختفاء الأسباب التي دفعتهم إليها، وتجفيف الموارد التي تجعل استغلالهم مربحاً، وضمان ألا يعود أي طفل إلى الشارع بعد إنقاذه.