Skip to main content

رفع أقساط السكن الشبابي... حلم يتحول إلى كابوس وأرقامٌ لا تغطي الظلم

 |  سلمى صلاح  |  محليات

عشرون عاماً من الانتظار، وعشرون عاماً من الالتزام بدفع الأقساط الشهرية، وعشرون عاماً من الصبر على وعود لم تُنجز.

واليوم، بدل أن يلمس المكتتبون ثمرة تعاقدهم مع مؤسسة الإسكان، فوجئوا بإعلان صادم: «إعادة النظر» في الأقساط الشهرية، ورفعها إلى مئات الدولارات.
فالمؤسسة التي يُفترض أن تكون حامية لحقوق المكتتب، تحولت إلى أداة لإعادة توزيع الأعباء على من لا ذنب لهم، متجاهلة أن غالبية المشاريع أُنجزت بالفعل، ومتجاهلة أن المكتتبين دفعوا دم قلوبهم طيلة عقدين، ومتجاهلة أن الفارق بين الأقساط القديمة والجديدة هو حكم بالإعدام على حلم طال انتظاره.


تحميل المواطن فاتورة العجز


يحاول المدير العام للمؤسسة، المهندس تمام دبل، تبرير هذه الخطوة بارتفاع تكاليف التنفيذ، وبأن مساهمة المكتتبين تراجعت من 30% إلى أقل من 4%. لكن هذا الطرح لا يتعدى الحيل المحاسبية.
فالمكتتبون لم يتوقفوا عن الدفع، ولم يتراجعوا عن التزامهم، بل إن ما دفعوه بالليرة المنهارة، ذابت قيمته بفعل سياسات لم يكونوا طرفاً فيها، وبفعل تضخم لم يتسببوا به.
وعندما تقول المؤسسة إنها بحاجة إلى 230 أو 385 دولاراً شهرياً الآن، فإنها تتجاهل عمداً أن المواطن دفع بالفعل الجزء الأعظم من تكلفة البناء، وأن المشاريع أنجزت في معظمها.
وبعد تقييم المدفوعات السابقة بالعملة المنهارة، يُطلب الدفع اليوم بتقييم بالعملة الصعبة، في معادلة لا أخلاقية ولا قانونية، تعكس نيّة مبيّتة لتحميل المكتتبين أوزار سنوات من الفساد والترهل في إدارة المشاريع السكنية في عهد السلطة الساقطة، ولكن يبدو أن المنطق نفسه ما زال حياً يرزق في كواليس المؤسسة.
حيث المواطن هو «الحل لكل مشكلاتنا». فعندما يتراكم الفساد، يدفع المواطن. وعندما ترتفع أسعار المواد، يدفع المواطن. وعندما تنهار العملة، يدفع المواطن. وعندما تتأخر المشاريع لعقدين، يدفع المواطن أيضاً!


من انتظروا ومن استلموا


ليس جوهر الشعور بالغبن في مجرد التفاوت بين أوضاع المكتتبين، بل في معايير التمييز التي تطبقها المؤسسة في التعامل معهم. فمن حظي باستلام شقته في سنوات سابقة، سدد أقساطه بأسعار تلك الفترة. أما أولئك الذين التزموا بالعقود، وانتظروا طويلاً، ودفعوا أقساطهم لأكثر من 20 عاماً من دون أن يلمسوا حجراً من شققهم، فتُعاملهم المؤسسة كأرقام في جداول، لا كبشر لهم حقوق ثابتة.
الغبن هنا هو نتيجة سياسة تتعمد التفريق بين المكتتبين، دون أن تراعي استحقاقات العدالة أو تستند إلى معيار موضوعي واحد.


السكن الاجتماعي حق


لا يمكن المبالغة في التأكيد على أن مشاريع السكن الشبابي، منذ انطلاقتها، لم تكن مجرد مشاريع عقارية ربحية.
لقد كانت وعداً اجتماعياً، وشبكة أمان للفئات الأكثر هشاشة، وللشباب الذين كانوا يحلمون بمنزل يؤويهم. فبأيّ حق يطالبون اليوم بدفع أقساط بمئات الدولارات؟
فتحول هذا السكن إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب والمضاربة، هو خيانة للغرض الذي أُنشئت هذه المشاريع لأجله، وتفريغ لمفهوم الدولة الاجتماعية من أي مضمون.
لأن الدولة التي تتخلى عن مسؤوليتها تجاه محدودي الدخل، وتتركهم فريسة لقوانين السوق، هي دولة تتنصل من جوهر وظيفتها. والمؤسسة التي تتحول من أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية إلى أداة لجمع الإيرادات باسم التكاليف، هي مؤسسة فقدت شرعيتها، واستبدلت التزاماتها المجتمعية بمنطق الربح.


الحد الأدنى


الحد الأدنى من مسؤوليات المؤسسة يقتضي تحملها استكمال التنفيذ ومحاسبة المقصرين والفاسدين، في إدارتها الحالية والسابقة؛ وإعادة حساب المدفوعات السابقة بما كانت تعادله دولارياً في وقت دفعها، فلا يمكن تقييم ألف ليرة دُفعت عام 2010 كما لو أنها ألف ليرة دُفعت اليوم؛ وتثبيت سعر الوحدة السكنية وفقاً لما تم الاتفاق عليه في العقود، وإعادة جدولة الأقساط المتبقية بسعر صرف تفضيلي وتقسيطه على فترة تتناسب مع دخل المكتتبين.
ولا يقبل بعد اليوم التذرع بالعجز عن التنفيذ، أو تحميل المكتتب تبعات فشل الإدارات المتعاقبة؛ سواء في عهدها أو عهد السلطة الساقطة. ولن يفي بالغرض أي مبرر واهٍ يُستعمل لتبرير التهرب من واجب لا يسقط بالتقادم.