التوسع الأكاديمي الذي أقرّه مجلس التعليم العالي والبحث العلمي، حمل في طيّاته وعوداً برّاقة بتنويع الخيارات التعليمية وزيادة أعداد المقبولين في الجامعات الحكومية. ففتح كليات جديدة في الهندسة المعلوماتية، والاقتصاد الزراعي، كما برامج ماجستير ودكتوراه في الذكاء الصناعي والأمن السيبراني، كلها عناوين تثير الحماسة، وكأننا أمام نهضة تعليمية تليق بمرحلة التعافي والتنمية، لكن السؤال المُلّح، كيف يمكن الحديث عن تطوير أكاديمي في جامعات تعاني أصلاً من انهيار في بنيتها التحتية، وشلل في كادرها الإداري والتدريسي، وعجز مالي مزمن؟!
لا يمكن الفصل بين هذا القرار وواقع الجامعات اليوم. فجامعة دمشق التي تضم أكثر من 200 ألف طالب تواجه ومدنها الجامعية تحديات يومية، بافتقارها لأبسط الخدمات من الكهرباء إلى المياه والنظافة ناهيك عن اكتظاظ غرفها بأكثر من 10 طلاب وهي مصممة لاستيعاب 4 طلاب!
هذا المشهد يتكرر في جامعة حلب التي تضم 150 ألف طالب، حيث تحولت الكليات إلى بيئات تعليمية تفتقر إلى التجهيزات الأساسية.
فطلاب كليات العلوم والهندسة يدخلون مختبراتهم ليجدوا حواسيب قديمة تستغرق دقائق للإقلاع «إن وجدت»، وتجهيزات متقادمة تحوّل التجارب التطبيقية إلى مجرد شرح نظري على الورق.
فكيف لمجلس التعليم أن يقرر افتتاح كليات وأقسام جديدة، والبنية التحتية في الجامعات القائمة تنهار؟! كيف يمكن استيعاب آلاف الطلاب الجدد في مؤسسات لا تستطيع حتى توفير مقعد أو ماء نظيف لطلابها الحاليين؟!
كما لا يمكن لأي كلية جديدة أن تنهض دون كادر تدريسي مؤهل، وكادر إداري قادر على إدارة العملية التعليمية، فكيف يتم ذلك أمام نقص حاد في الكوادر التدريسية نتيجة الهجرة الجماعية للأساتذة منذ عام 2012 وحتى يومنا.
فمن سيدرّس فيها، ومن سيدير شؤونها الإدارية؟ والأهم، من سيموّلها؟ في ظل أزمة اقتصادية طاحنة وغياب أي اعتماد مالي واضح لتأهيل البنية التحتية واستكمال التجهيزات، لتبقى هذه الكليات مجرد واجهات برّاقة لا جوهر لها، تفتح أبوابها لاستقبال آلاف الطلاب ثم تتركهم يواجهون واقعاً تعليمياً هزيلاً.
الادعاء بأن هذه التخصصات الجديدة تأتي تلبية لاحتياجات سوق العمل، يبدو وكأنه «نكتة ثقيلة» في زمن بلغت فيه البطالة نسباً مرعبة تجاوزت 60%.
فكيف لسوق عمل تعاني من انهيار شبه كامل في البنية الإنتاجية، ونمو اقتصادي يقارب الصفر، أن تستوعب آلاف الخريجين سنوياً؟!
كما تشير استبيانات المجلس العلمي السوري في أيلول 2025 إلى أن نسباً كبيرةً من خريجي أقسام اللغات والعلوم التطبيقية يعملون في مجالات لا تمت إلى اختصاصهم بصلة! فهل سيختلف مصير خريجي «الذكاء الصناعي» و«الأمن السيبراني» في بلد لا يملك بنية رقمية حقيقية وفعالة؟!
أم إننا نعدّهم لمهنة سائقي التاكسي أو عمال توصيل في المستقبل؟
هذا التوسع ربما لن يزيد الطين إلا بلّة. فالتوسع الكمي في عدد الكليات والمقبولين أمام غياب الإمكانات، يعني حتماً تراجعاً في جودة التعليم، وسيتم تخريج دفعات كاملة لا تملك سوى شهادات ورقية لا تغني ولا تسمن من جوع، وستزداد أعداد العاطلين عن العمل، وستتآكل ثقة الشباب بمؤسسات الدولة، وستتفاقم الهجرة التي تفقد سورية مزيداً من طاقاتها الشابة.
هذا التوسع ليس بالفكرة السيئة، بل ضرورة ملحّة لتنويع الخيارات وتوسيع فرص التعليم، لكنّ الجريمة الحقيقية تكمن في الإقدام على هذه الخطوة دون استكمال البنية التحتية واللوجستية، وتوفير الكوادر والتمويل اللازم مع دراسة حقيقية لسوق العمل.
وإلا فهذه مغامرة تضرب بمعاناة الطلاب عرض الحائط، وتُضيف إلى واقعهم المأساوي طبقة جديدة من الإحباط والفشل، فما يحتاجه التعليم العالي ليس قرارات ارتجالية تهدف إلى التجميل الإعلامي، بل إعادة هيكلة جذرية للمنظومة التعليمية، وإلا فإن هذه الجامعات ستتحول إلى مصانع للبطالة والإحباط، ومهاجع جماعية تفتقر إلى أبسط مقومات العملية التعليمية والحياة الكريمة.
آن الأوان للوزارة أن تضع مصلحة الطالب فوق كل اعتبار، قبل أن يتحول الحلم الجامعي إلى كابوس يطارد أجيالاً كاملة.