في مشهد يعيد إنتاج السياسات ذاتها التي أرهقت السوريين لعقود، يلوح إحياء قرار مجانية الإسعاف في المشافي الخاصة وكأنه انتصار لحقوق المواطن، بينما تتسع هوة الانهيار في المشافي العامة التي يفترض أن تكون العمود الفقري للرعاية الصحية.
القرار الصادر عام 2007، والذي يلزم المشافي الخاصة والعامة بتقديم الإسعافات المنقذة للحياة مجاناً، يبدو اليوم وكأنه غطاء تتوارى خلفه وزارة الصحة لتُريح ضميرها، فيما تتداعى المشافي الحكومية تحت وطأة النقص الحاد في الكوادر والتجهيزات والأدوية.
فالمفترض - بمنطق الدولة العادلة - أن تكون هذه المشافي هي القدوة والمثال في تقديم الخدمات، وأن يُطلب من القطاع الخاص أن يحذو حذوها، لا العكس، غير أن ما يحدث اليوم هو انقلاب كامل للموازين، وكأن الدولة تتنصل من واجبها الأساسي في توفير الرعاية الصحية للمواطنين، وتُحمّل القطاع الخاص أعباءً هي في الأصل من صميم مسؤولياتها.
صورة لا تليق بدولة
ليس سراً أن المشافي العامة في سورية تعيش أسوأ حالاتها. فبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2025، هناك أكثر من 15 مليون سوري بحاجة ماسة إلى الرعاية الصحية، أي نحو 70% من الشعب، ولا حاجة إلى تقارير معقدة لإدراك حجم الكارثة فيها، فشهادات المرضى المتكررة وحدها تكفي لتوثيق مشهد الانهيار، واصفين إياها بالمقابر أو المسالخ!
وحسب التقرير أعلاه هناك أكثر من نصف المرافق الصحية العامة لا تعمل بكامل طاقتها والنسبة المتبقية تعمل جزئياً أو خارج الخدمة كلياً.
حيث تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية الأولية، ناهيك عن أدوية الالتهابات والمسكنات وخدمات النظافة والتعقيم.
فأي دولة هذه التي تترك مشافيها بهذا الحال، ثم تتصدر المشهد بقرارات إنسانية ترفع عنها وزر مسؤولياتها الأساسية؟
تغطية أم هروب؟
المشافي الخاصة من المفترض أن تكون مكملاً لمنظومة صحية عامة قوية، لا بديلاً عنها، لكن في المشهد الحالي، ومع انهيار شبه كامل للمشافي العامة، يتحول هذا القرار إلى غطاء تتوارى خلفه الحكومة عن تقصيرها الفادح في حق المواطنين.
فبدلاً من استكمال احتياجات المشافي العامة من أجهزة وتجهيزات، وترميم النقص الحاد في الكادر الطبي والتمريضي، تكتفي وزارة الصحة بإصدار التوجيهات لضرورة الالتزام بالقرار من المشافي الخاصة، وكأنها بذلك قد أدت واجبها!
فهل التمسك الوزاري «المستميت» بالقرار يحل فشل القطاع العام؟!
ضحية السياسات المتناقضة
في خضم هذا الصراع يبقى المواطن المفقر هو الخاسر الأكبر.
فالمشافي العامة لا تقدم خدمة تليق بالإنسان، والمشافي الخاصة تقدم خدمة قد تكون مجانية في الإسعاف، لكنها سرعان ما تتحول إلى فاتورة باهظة لا يستطيع تحملها إلا القليلون.
نهج متعمد
ما يحدث ليس مجرد تقصير عارض، بل هو نهج متعمد للسلطة الساقطة وتكرّسه السلطة الحالية، وكأنه وصفة ثابتة، بتخفيض الإنفاق العام على الصحة، والترويج للانسحاب التدريجي لدور الدولة، وترحيل المسؤولية إلى القطاع الخاص والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني، وكأننا لا نزال نعيش تحت ظل سلطة كانت «ومازالت» تتقن فن التهرب من المسؤوليات.
المطلوب اليوم ليس مجرد التمسك بقرار إسعاف مجاني في المشافي الخاصة أو إلغائه، بل وضعه في مكانه الصحيح ضمن رؤية صحية وطنية تعيد الاعتبار للمشافي العامة «التي تدعي المجانية» أولاً وأخيراً.
وعندها فقط، يمكن مطالبة المشافي الخاصة بتقديم ما هو أفضل.
أما الاستمرار في هذه السياسة التي تريد تحميل القطاع الخاص ما لا تريد الدولة تحمله وتتهرب منه، فهو تنصل من المسؤولية وتجيير لها، وعلى الحكومة ووزارتي الصحة والتعليم العالي إدراك أن صحة المواطن ليست سلعة للابتزاز والاستغلال، بل حق مقدس لا يمكن التهاون فيه.
ختاماً، لا بد من العودة إلى نقطة البداية؛ المواطن السوري، وخاصة الغالبية الفقيرة، لها الحق الكامل في الرعاية الصحية المجانية والكريمة. ليس في حالات الإسعاف فقط، بل في كل الخدمات الطبية. فهذا حق كفله الدستور والقوانين، وهو واجب الدولة التي تفرض الضرائب وتجبي الأموال باسم المواطن.
فاستمرار هذا التدهور في الخدمات الصحية، مع التمسك بقشور الحلول، هو استمرار لسياسة الظلم ذاتها التي أنهكت السوريين منذ عقود!