Skip to main content

استنزاف صامت... كيف تتحول حديقة حلب العامة إلى سوق فوضوية؟

 |  نور الإبراهيم  |  محليات

يتراءى للقارئ عن حديقة حلب العامة، الممتدة على مساحة 17 هكتاراً، صورة بديعة عن مروج خضراء يشقّها نهر قويق، وتتوسطها بركة مائية وحوض موسيقي راقص، وممرات ومقاعد خشبية للزوار.

غير أن واقع الحديقة اليوم يروي قصة مختلفة تماماً؛ استنزاف بصمت، وتآكل منظم للمساحات الخضراء؛ وتحول تدريجي من حديقة عامة ومتنفس لسكان المدينة قاطبة إلى سوق شعبي فوضوي.


الإشغال المؤقت غطاءٌ للتمدد


رغم محدودية الأكشاك في الحديقة، إلا أن الكشك الصغير– الذي لم تكن مساحته تتجاوز 9 أمتار مربعة عند التأسيس– تحول إلى مجمع تجاري متكامل؛ قسم للمشروبات، وآخر للسندويش، وللألعاب، وللموالح، وقسم للأراكيل، عدا عن امتداد البرادات إلى الرصيف والممرات.
وهذا التمدد هو نتيجة حتمية لفجوة بين العقد النظري بين مجلس البلدية والمستثمر والرقابة الفعلية. فالعقد يمنح حقاً محدوداً، لكن غياب الرقابة يحول هذا الحق إلى «حق مكتسب» يتوسع بفعل الأمر الواقع.


الملكية العامة بين دور الدولة والواقع


من البديهي أن المرافق العامة هي ملكية عامة تتولى الدولة إدارتها. والحديقة، بوصفها مرفقاً عاماً، يجب أن تكون متاحة للجميع من دون تمييز. لكن الواقع هو تفريغ تدريجي لهذه الملكية العامة لصالح استثمارات خاصة.
فجزء كبير من المساحات التي يفترض أن تكون ممرات للمشاة ومقاعد للجميع، تحولت إلى طاولات وكراسيّ «مخصصة لزبائن الطعام والأراكيل».
وفي هذا إعادة إنتاج للتمييز الطبقي داخل الفضاء العام، ناهيك عن انتهاك القوانين؛ فالدخول إلى الحديقة مجاني صحيح، لكن الجلوس في أجزاء منها أصبح مشروطاً بالاستهلاك.


تفويض المرافق العامة للاستثمار الخاص


تعكس أسئلة الناس حول غياب مجلس المدينة، ومديرية الحدائق، أزمة ثقة بين المواطن والدولة، حيث ينظر إلى الدولة كمتفرج – أو شريك غير مباشر – في استنزافها، وليس بوصفها حامياً للملكية العامة.
فالدولة أصبحت بفعل عجزها المالي والإداري، تسوّق للاستثمار الخاص في المرافق العامة كحل لأزمة التمويل، بينما هو في الواقع تحويل للخدمات العامة إلى سلعة خاصة تتحدد إمكانية الوصول إليها بالقدرة الشرائية.


تأهيل جزئي لا يعد باستعادة كاملة


لا تزال عمليات الترميم جزئية، ولا يبدو أن مجلس البلدية يمتلك رؤية واضحة؛ ولكن في المحصلة لا يمكن أن يقتصر التأهيل على إصلاح المقاعد أو زراعة الأشجار.
ويجب البدء بفرض رقابة صارمة على عقود الإشغال، وإزالة التعديات من الأكشاك؛ بالإضافة إلى تخصيص ميزانية مستقلة للحدائق بدلاً من جعلها رهينة لإيرادات الاستثمار.
فالحديقة، وأي مرفق عام، هو نموذج لكيفية إدارة الفضاء العام في ظل أزمات مالية واجتماعية مركبة، واستعادتها تعني استعادة جزء من العقد الاجتماعي، وإعادة الاعتبار لدور الدولة كحامية للمصلحة العامة، وليس وسيطاً لتوزيع الملكية العامة على مصالح خاصة.