لم تعد أزمة إصدار البطاقة الشخصية في سورية مجرد تأخير إداري يمكن تبريره بانتظار نظام جديد أو تجهيز مراكز جديدة أو استكمال مشروع الهوية الموحدة. حين يُطلب من المواطن أن يثبت هويته في كل خطوة من خطوات حياته، ثم يُحرم من الوثيقة الأساسية التي تثبت هذه الهوية، تتحول المسألة من عطل في دائرة حكومية إلى أزمة تمس حياته اليومية وكرامته ومصالحه وحقوقه.
المواطن الذي يراجع دوائر النفوس لا يبحث عن امتياز، ولا يطلب وثيقة ثانوية. إنه يريد بطاقة يفترض أن تكون حقاً بديهياً وأداة أساسية لممارسة حياته كمواطن. لكنه يجد نفسه أمام إجابات مؤجلة، ومراجعات متكررة، وبدائل مؤقتة لا تعوض البطاقة الشخصية، وفي مقدمتها بيانات القيد التي يضطر إلى استخراجها كلما طلبت منه جهة ما إثبات هويته أو بياناته الحديثة.
المشكلة أن آثار هذا التأخير لا تتوقف عند أبواب السجل المدني. من لا يملك بطاقة شخصية قد يصطدم بعقبات في المصارف وشركات الصرافة والحوالات، وقد يجد نفسه عاجزاً عن إنجاز معاملة مالية بسيطة أو استلام أموال يحتاج إليها. وقد تتعطل أمامه معاملات تتعلق بالسيارة أو نقل الملكية أو الوكالات أو غيرها من الإجراءات التي أصبح إثبات الشخصية فيها شرطاً لا يمكن تجاوزه. وهكذا تتحول بطاقة غائبة من قطعة بلاستيكية صغيرة إلى عائق كبير في حياة صاحبها.
الأكثر قسوة أن هذه المشكلة تضرب فئات لم تكن تملك أصلاً ترف الانتظار. هناك شاب بلغ السن القانونية للحصول على بطاقته، لكنه يدخل مرحلة الدراسة أو العمل أو الزواج من دون الوثيقة التي يفترض أن ترافقه في هذه المراحل. وهناك مواطن فقد بطاقته أو تلفت، فلا يستطيع ببساطة أن يحصل على بدل عنها. وهناك عائد من الخارج يحمل أوراقاً تثبت وجوده وهويته، لكنه يصطدم عند بعض المعاملات بحقيقة أن الوثيقة التي يحتاج إليها تحديداً غير متاحة.
أما كلفة الانتظار فلا تُقاس بعدد الأيام فقط. هناك مواطن يسافر من محافظة إلى أخرى، وآخر يخسر يوم عمل، وثالث يدفع أجور النقل والمراجعات، ورابع يكرر استخراج الوثائق البديلة، فيما تبقى معاملته معلقة. وفي بلد أنهكته الحرب والهجرة والفقر، يصبح تحميل المواطن كلفة خلل إداري إضافيّ نوعاً من العقوبة غير المعلنة.
المفارقة أن الدولة نفسها تعرف أهمية هذه البطاقة. فهي تتحدث عن مشروع بطاقة شخصية جديدة، وعن توحيد الهوية البصرية، ورقمنة الأحوال المدنية، وتجهيز المراكز. وكل ذلك مهم وضروري، لكن المواطن لا يستطيع أن يعيش على الوعود والمشاريع إلى أجل غير مسمى. الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على تصميم بطاقة جديدة، بل بقدرتها على ألّا تترك مواطنيها بلا وثيقة تثبت شخصيتهم خلال فترة الانتقال.
المطلوب ليس إعلاناً جديداً عن مشروع قيد الإنجاز، بل حل انتقالي واضح وفوري يحفظ للمواطن حقه في وثيقة هوية معترف بها إلى حين اكتمال البطاقة الجديدة. والمطلوب أيضاً إعلان جدول زمني صريح وملزم، يضع حداً لحالة الانتظار المفتوح.
فالهوية ليست مشروعاً مؤجلاً، والمواطن ليس رقماً في طابور. وكل يوم يمر من دون حل يعني مزيداً من المعاملات المعطلة، والوقت المهدور، والمال المدفوع، والكرامة المهدرة. وعندما تصبح أبسط وثيقة تثبت أن الإنسان هو «هو» أزمةً مستمرة، فالمشكلة لم تعد في البطاقة... بل في حق المواطن نفسه في أن تُنجز دولته معاملته.