متى ينتهي تراكم النفايات؟!... المواطن يدفع الثمن والحلول غائبة!
تتحول أزمة النفايات عاماً بعد عام من ملف خدمي تقليدي إلى أزمة بيئية وصحية خانقة، تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية.
وما كان يُنظر إليه سابقاً كإخفاق بلدي بات اليوم كاشفاً لأبعاد أعمق، تتمثل في أزمة حوكمة، وأزمة عدالة اجتماعية، وبنية تحتية متهالكة، وانعدام القدرة على تحمل تبعات الانهيار الخدمي.
العاصمة بين عالمين
في أحزمة الفقر بمحيط دمشق، كالتضامن والمزة 86 وبساتين كفرسوسة، تحولت الحاويات إلى تلال من النفايات المتعفنة، التي تغيب آليات الترحيل عنها أياماً وأحياناً أسابيع.
ويقر مدير النظافة وإدارة النفايات الصلبة في محافظة دمشق، عبدو العلوش، في تصريح «للإخبارية السورية»، في 26 تموز، بحجم المأساة التقنية، مؤكداً أن «عمر أسطول آليات المديرية يتجاوز 30 عاماً»، ما جعل الأعطال قاعدة والجاهزية استثناءً.
لكن المشكلة البنيوية تكمن في الكادر البشري؛ 60% من العمال الذين تجاوزوا الخامسة والخمسين، في حين لا تتجاوز نسبة العمال الفعالين 40% من الكادر المطلوب، بسبب وقف عقود التعيين التي كانت تسد النقص، وضعف الرواتب الذي دفع الكثيرين إلى التسرب.
وفي ريف دمشق، حيث تعاني بلدات مثل سقبا وببيلا وجرمانا وغيرها، إهمالاً مزمناً، وبينما تشتعل النيران في النفايات قرب أعمدة الكهرباء والمولدات، تطلق البلديات خطاباً تقليدياً عن نقص الكوادر والتمويل، أو كما عين ترما، تقدم «مكافأة مالية» بقيمة 500 ألف لمن يوثق بالكاميرا مواطناً يرمي القمامة في غير مكانها!
الحسكة وإدلب... نموذجان لأبعاد الكارثة
في حي الطلائع، على سبيل المثال، تحول المكان الذي كان «متنفساً طبيعياً» لأهالي الحسكة إلى مكب عشوائي تشتعل فيه النيران باستمرار.
ويشكو الأهالي من الدخان الكثيف الذي بات يغلّف منازلهم، ويضطرون إلى إغلاق النوافذ في أوج الحر هرباً من الروائح والحشرات، فيما تعزو البلدية الأمر – ككل بلديات سورية – إلى نقص المحروقات والأعطال ونقص الكوادر!
فيما تحولت حفرة بمحاذاة السجن المركزي في إدلب إلى «حفرة جحيم» تشتعل فيها النفايات على مدار الساعة. ولا يكتفي الدخان بتلويث الهواء، بل تتسرب النفايات السائلة إلى المياه الجوفية، مهددةً مصادر الشرب ومتسببة بأمراض بين السكان.
ويقع «المكب» في منطقة تتوسط عدداً من القرى، بينها الشيخ يوسف، وكفر روحين، وعين شيب، ومدينة إدلب، وتختلف شدة المعاناة من قرية لأخرى وفقاً لاتجاه الرياح.
سنبقى نكرر المكرر
ما تراه العين في الشوارع من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، تجاوز الفشل في إدارة ملف النفايات؛ فبعد أكثر من عام على تفاقم هذه الظاهرة، لم تقفز حلول البلديات فوق الخطاب الوعظي وتحديد أوقات الرمي، وكأن المشكلة في سلوك المواطن وحده لا في غياب الخدمة.
والحل الحقيقي يمر عبر استثمار جاد في البنى التحتية، وإعادة هيكلة قطاع النظافة، وإطلاق مشاريع تدوير تحول النفايات من نقمة إلى مورد.
والأهم هو إعادة توزيع الخدمات بعدالة، بحيث لا تتحول حياة المفقرين إلى تضحية بيئية يومية باسم غياب الإمكانات، وإلا ستظل البلاد تختنق تحت وطأة أزماتها المتراكمة، بينما ينتظر المواطن أن يأتي أحد ليرفع عنه، ليس القمامة فقط، بل سنوات الظلم المتراكمة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289
سلمى صلاح