مؤسسة المباقر ليست عبئاً على الدولة...  فهل أصبح الاستثمار الخاص بديلاً عن إصلاح القطاع العام؟

مؤسسة المباقر ليست عبئاً على الدولة... فهل أصبح الاستثمار الخاص بديلاً عن إصلاح القطاع العام؟

أثار البيان الصادر عن وزارة الزراعة بشأن اجتماع وزير الزراعة مع ممثل شركة «أمريكان سويس» البرازيلية لبحث استثمار منشآت المؤسسة العامة للمباقر والأراضي الزراعية المرتبطة بها، أسئلة مشروعة وعميقة تتجاوز تفاصيل الاجتماع، وتمس مستقبل واحدة من أهم المؤسسات الإنتاجية الزراعية في سورية.

فالقضية ليست رفضاً للاستثمار الأجنبي، ولا اعتراضاً مبدئياً على الشراكة مع القطاع الخاص، بل تتعلق بطبيعة الأصول المطروحة، وبالجهة التي ستديرها، وبالجدوى الاقتصادية والاجتماعية للوصول إلى خيار الاستثمار قبل استنفاد خيارات إعادة إقلاع المؤسسة وتطويرها بقدرات وطنية.
المؤسسة العامة للمباقر ليست منشأة هامشية، ولا مجموعة من الأبنية المتروكة التي تبحث الدولة عمّن يستثمرها. إنها مؤسسة تمتلك تاريخاً طويلاً في إنتاج الحليب واللحوم، وتحسين السلالات، وتربية الأبقار، وتأمين البكاكير، ودعم الثروة الحيوانية. كما تمتلك شبكة من المباقر والمنشآت والأراضي الزراعية المنتشرة في عدد من المحافظات، إضافة إلى كوادر فنية وبيطرية وعمالية وخبرات تراكمت عبر عقود.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يسبق أي حديث عن الاستثمار: لماذا لا تُمنح المؤسسة نفسها فرصة حقيقية لإعادة الإقلاع؟
إذا كانت الدولة مستعدة لتقديم تسهيلات وإعفاءات وحوافز لمستثمر خاص، فلماذا لا تُمنح المؤسسة التمويل والمرونة الإدارية والتشغيلية نفسها؟ وإذا كانت الأراضي والمنشآت العامة تمثل قاعدة جذابة للاستثمار، فلماذا لا تُستخدم هذه القاعدة لإعادة بناء مؤسسة إنتاجية وطنية قادرة على تأمين الحليب واللحوم والأعلاف وخلق فرص العمل؟
إن الاعتراف بأن المؤسسة تواجه صعوبات لا يعني أن الحل هو إخراجها تدريجياً من دورها الإنتاجي. فالمؤسسة عانت خلال سنوات طويلة من نقص التمويل، وتراجع القطعان، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتقادم بعض المعدات، وتضرر عدد من المنشآت، إضافة إلى القيود الإدارية وضعف القدرة على اتخاذ قرارات تشغيلية وتسويقية مرنة. وهذه مشكلات تحتاج إلى إصلاح وإدارة وتمويل، لا إلى تحويل الأصول العامة إلى فرصة استثمارية خاصة.


شركة تجارية أم شريك إنتاجي؟


يصف البيان الشركة بأنها متخصصة في تربية الأبقار والأغنام والدواجن وإنتاج الأعلاف، ويشير إلى نشاطها وقدراتها الإنتاجية في دول أمريكا اللاتينية. لكن المعلومات المتداولة والمعلنة عن الشركة تركز بصورة أساسية على نشاط التجارة الدولية والوساطة وتوريد المنتجات والسلع الزراعية والحيوانية.
وهذا لا يعني الجزم بأن الشركة لا تمتلك خبرات أو منشآت إنتاجية غير معلنة، ولا يشكك بحد ذاته في صحة ما ورد في البيان الرسمي. لكنه يفرض سؤالاً بديهياً: ما الأدلة الفنية والعملية على خبرة الشركة في إدارة مشاريع إنتاج حيواني واسعة؟
أين المزارع التي تملكها أو تديرها؟ وما حجم قطعان الأبقار والأغنام والدواجن؟ وما طاقات منشآت الأعلاف؟ وما المشاريع الكبرى التي نفذتها؟ وما خبرتها في تشغيل مجمعات إنتاجية تضم أراضي زراعية وقطعاناً ومنشآت عامة وكوادر محلية؟
إن هناك فرقاً جوهرياً بين شركة تعمل في التجارة وتوريد المنتجات، وبين شركة متخصصة في إدارة القطيع، وإنتاج الأعلاف، وتحسين السلالات، والصحة الحيوانية، وإدارة الحظائر، وتصنيع الحليب واللحوم. ولا يكفي وجود نشاط تجاري في السلع الزراعية لإثبات القدرة على تشغيل منظومة إنتاجية وطنية معقدة.
لذلك، فإن أي اتفاق محتمل يجب أن يسبقه تدقيق فني ومالي وقانوني معلن، لا الاكتفاء بالعناوين العامة أو الوعود الاستثمارية.


أصول عامة ذات قيمة استراتيجية


تضم المؤسسة مواقع ومنشآت في عدد من المحافظات، من حماة وحمص وريف دمشق واللاذقية وطرطوس إلى حلب ودير الزور وغيرها. وهذه المواقع ليست متشابهة، لكنها تشترك في امتلاك بنية إنتاجية وأراض ومرافق يمكن إعادة تأهيلها.
ويكفي التذكير بأن مجمع مباقر مسكنة في ريف حلب يضم نحو 1,475 هكتاراً من الأراضي ويتألف من خمس محطات إنتاجية. كما تبلغ مساحة مبقرة زاهد في طرطوس نحو 275 هكتاراً، منها أكثر من 225 هكتاراً من الأراضي الزراعية. أي إن هذين الموقعين وحدهما يمثلان نحو 1,750 هكتاراً من الأصول المعلنة، من دون احتساب مواقع وأراضي المؤسسة الأخرى.
وهذه ليست أرقاماً ثانوية. إنها أراض يمكن أن تنتج الأعلاف والحبوب، وتدعم القطعان، وتخفض كلفة الإنتاج، وتربط المؤسسة بالمزارعين عبر الزراعة التعاقدية. كما أنها تمثل قيمة اقتصادية ووطنية تتجاوز قيمتها العقارية.
فالأرض الزراعية المرتبطة بالمباقر ليست مجرد مساحة يمكن تأجيرها، بل جزء من سلسلة إنتاج متكاملة: أرض- أعلاف- قطيع- حليب ولحوم- تصنيع وتسويق.
وإذا تم تفكيك هذه السلسلة أو إخضاعها لمنطق الربح السريع، فقد تخسر الدولة قدرة إنتاجية تصعب استعادتها لاحقاً.


التشاركية أم الخصخصة غير المباشرة؟


لا تحتاج الخصخصة دائماً إلى بيع المنشآت أو نقل ملكيتها رسمياً. فقد تحدث بصورة غير مباشرة عندما تُمنح منشآت وأراض عامة لمستثمر خاص لفترات طويلة، مع حصوله على الجزء الأكبر من المنافع، بينما تتحمل الدولة تكاليف البنية التحتية أو المخاطر أو إعادة التأهيل.
لذلك، لا تكفي كلمة «تشاركية» لتبديد المخاوف. فالمعيار هو العقد.
من سيتحمل كلفة إعادة التأهيل؟ ومن سيمول شراء الأبقار؟ ومن يملك القطيع الناتج؟ ومن يتحمل الخسائر؟ وما حصة الدولة من الأرباح؟ وما مدة الاستثمار؟ وهل توجد ضمانات مصرفية؟ وهل يلتزم المستثمر بتشغيل العمالة المحلية؟ وهل يمكن تغيير استخدام الأراضي؟ وماذا يحدث إذا لم تُنفذ الوعود؟
إذا لم تكن هذه التفاصيل معلنة، فقد تتحول التشاركية إلى نقل تدريجي للمنفعة الاقتصادية من القطاع العام إلى القطاع الخاص، تحت عناوين جذابة، بينما تبقى الأصول والمخاطر الأساسية ملكاً للدولة.


إعادة الاعتبار للمؤسسة


بدل التعامل مع المؤسسة بوصفها عبئاً، ينبغي وضع برنامج وطني لإعادة إقلاعها، ويقوم على:
تمويل استثماري متعدد السنوات.
إعادة تأهيل المباقر بحسب أولويات الجدوى.
زيادة القطعان وتحسين السلالات.
استثمار الأراضي في إنتاج الأعلاف.
تحديث الإدارة ومنحها مرونة تشغيلية.
تطوير معامل الحليب والتصنيع.
دعم الكوادر وربط الحوافز بالإنتاج.
الاستعانة بالخبرات الأجنبية بعقود تقنية واضحة.
السماح للمؤسسة بإعادة استثمار جزء من إيراداتها.
إن تطوير القطاع العام لا يعني الإبقاء على البيروقراطية أو تبرير الخسائر، بل يعني تحويل المؤسسات العامة إلى جهات منتجة وشفافة وقادرة على المنافسة.
وفي الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، لا يبدو من المنطقي تقليص الدور الإنتاجي للدولة أو التعامل مع أصولها الاستراتيجية باعتبارها فائضاً قابلاً للتصرف. بل إن الحاجة تقتضي توسيع الإنتاج، وتأمين الغذاء، ودعم الريف، وخلق فرص العمل، وخفض الاعتماد على الاستيراد.


شرط التنمية... حماية القدرة الإنتاجية الوطنية


الاستثمار الخاص يمكن أن يكون مفيداً عندما يضيف تمويلاً أو تقنية أو خبرة حقيقية، لكنه لا يجب أن يصبح بديلاً تلقائياً عن إصلاح المؤسسات العامة أو مبرراً للتخلي عن أصولها.
قبل منح أي شركة حق استثمار منشآت مؤسسة المباقر وأراضيها، يجب نشر جرد كامل للأصول، ودراسة جدوى مستقلة، وتقييم فني لقدرات المستثمر، ومقارنة واضحة بين إعادة الإقلاع الذاتي والشراكة والاستثمار الخاص.
فالمسألة ليست من يستطيع تشغيل الأرض اليوم؟ بل من يضمن أن تبقى هذه الأصول مصدراً للإنتاج الوطني والغذاء وفرص العمل غداً؟
إن مؤسسة المباقر لا تحتاج إلى من يحل محلها، بل إلى دولة تعيد الاعتبار لدورها، وتذلل صعوباتها، وتمنحها التمويل والإدارة الحديثة التي تمكنها من استثمار أصولها بنفسها.
فالأصول العامة التي بُنيت خلال عقود لا ينبغي أن تتحول، في زمن الأزمة، إلى فرصة للاستثمار الخاص تحت ضغط العجز أو تحت عناوين التشاركية واقتصاد السوق. المطلوب هو إعادة تشغيلها وتوسيعها، لأن حماية القدرة الإنتاجية الوطنية ليست عائقاً أمام التنمية، بل أحد شروطها الأساسية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1289