القطاع الصحي في سورية، إلى متى؟!
رشا عيد رشا عيد

القطاع الصحي في سورية، إلى متى؟!

عندما تغيب الأرقام، لا تغيب الحقائق على الأرض وعندما تتعطل الأجهزة، لا تتعطل المعاناة، فقطاع الصحة السوري يقدّم درساً قاسياً لتخلي الدولة عن دورها في حماية مواطنيها، تحت شعارات براقة عن التعافي المبكر ومشاريع «الأبهة» الاستثمارية، محوّلة الصحة من حق أساسي إلى سلعة تُترك لمزاج المساعدات وتقلبات التمويل الخارجي بينما يموت المرضى في صمت، وتُباع كرامتهم مقابل ليلة في «حاضنة» في مشقى خاص.

وأمام غياب أي بيانات عن حجم الإنفاق وتقارير عن نسب الإنجاز، وحتى كشف واضح عن مشاريع التأهيل والتطوير التي تزعم الوزارة تنفيذها كمؤشر فعلي لقياس ما وصل إليه حال القطاع الصحي، يأتي الواقع الميداني الذي لا يحتاج إلى أرقام ليفضح نفسه، مستشفيات تئن تحت وطأة نقص التجهيزات، وكوادر تنزف هجرة، ومرضى يُطلب منهم شراء أبسط المستلزمات الطبية، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على غياب تام للتمويل التشغيلي، وكأن وزارة الصحة تتعامل مع المستشفيات الحكومية كواجهات استعراضية لا كصروح علاجية.
ففي إدلب مثلاً، يكشف المشهد عن أبعاد أكثر قسوة، فمع توقف تمويل المنظمات الدولية والجمعيات غير الحكومية، خرج سبعة مستشفيات وعشرون مركزاً صحياً عن الخدمة، وتوقف مركز غسيل الكلى عن العمل بمطلع 2026، بعدما كان يقدم جلسات مجانية لنحو 110 مرضى، وفق ما أكده مدير مديرية الصحة في إدلب «سامر عرابي» لصحيفة «الثورة» بتاريخ 23/7/2026، توقف هذا المركز يعني موتاً محققاً لمرضى الفشل الكلوي، أو تحميلهم عناء السفر وتكاليف باهظة لا طاقة لهم بها في بلد يعيش 90% من سكانه تحت خط الفقر.

أما مستشفى ابن سينا التخصصي للأطفال، فتوقف دعمه مطلع تموز الفائت، لتنحصر خدمات طب الأطفال المجانية في المستشفى الجامعي وحده، أو اللجوء للمشافي الخاصة وإليك تخيل حجم الاستغلال!
إنه مشهد يختصر المأساة، فحين تغيب الدولة، يحضر الموت، وحين يحضر الموت، تنتصر الفوضى.
ولا تقتصر المأساة على إدلب، ففي ريف حماة الغربي، يعاني مشفى السقيلبية الوطني من خروج جهاز التصوير الطبقي المحوري عن الخدمة، ونقص في أجهزة الأشعة، وتقادم تجهيزات قسم غسيل الكلى ووحدة العناية المشددة، علماً أنه يخدم أكثر من 200 ألف نسمة ليقف اليوم عاجزاً عن تقديم أبسط الخدمات، وبينما تتهاوى بنيته التحتية تحت وطأة الإهمال الممنهج، تلهث وزارة الصحة خلف العناوين البرّاقة: مدن طبية، خطط استراتيجية، مشاريع استثمارية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا ينفع المريض الحديث الرسمي عن مدينة طبية قد تستغرق سنوات لتُنجز «إن كتب لها»، وهو اليوم يحتاج إلى سرير في المشفى، وإلى دواء لا يملك ثمنه، وإلى كادر طبي غادر البلاد بحثاً عن لقمة عيش؟!
ماذا ينفعه الخطاب الرسمي عن تعافٍ مبكر «لا يُرى سوى في الخطابات» أمام مراكز ومستشفيات تُغلق أبوابها واحداً تلو الآخر؟
هذا الانشغال بالمستقبل الوهمي على حساب الحاضر المتعفن ليس سوى غطاء للتخلي الممنهج عن الدور الاجتماعي للدولة.

المطلوب، الشفافية والجدية وتحمل المسؤولية، فعلى الوزارة الكشف عن التمويل المخصص للقطاع الصحي وعن حجم الإنجاز الفعلي لأعمالها بنتائج ملموسة في حياة المواطنين، وتقديم خطة واستراتيجية شاملة لتأمين المتطلبات الأساسية في جميع المشافي، وإعادة تشغيل ما توقف عن العمل.
هذه ليست رفاهية ولا منّة، بل أبسط واجبات الدولة وحقوق المواطن.
الصحة ليست سلعة للاستثمار ولا مجالاً للشعارات البرّاقة. إنها حق إنساني لا يحتمل التسويف ولا التأجيل.
لقد آن الأوان ليتوقف هذا النهج، ووضع ملف القطاع الصحي «المنهار» على رأس الأولويات، فإلى متى سيبقى السوري يدفع ثمن مرضه مرتين؛ مرة جسده، ومرة كرامته؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1289