عملة بلا فراطة... أزمة الفئات الصغيرة تتحول إلى عبء يومي
لم يكن انتهاء مهلة استبدال العملة السورية القديمة مجرد إجراء نقدي أو خطوة إدارية يفترض أن تنقل البلاد إلى مرحلة مالية أكثر تنظيماً، بل كشف سريعاً عن خلل عملي أصاب قلب الحياة اليومية؛ غياب الفئات الصغيرة، وندرة أوراق 10 و25 ليرة، وعدم وجود فئة 5 ليرات، في وقت تعتمد فيه الأسواق ووسائل النقل والمهن اليومية على مبالغ دقيقة لا يمكن تجاهلها أو تقريبها بلا أثر.
المشكلة هنا ليست تقنية، وليست تفصيلاً نقدياً يمكن تجاوزه بالقول إن «الفارق بسيط». فالفارق الصغير عندما يتكرر عشرات المرات يومياً، وعلى ملايين عمليات البيع والشراء والتنقل، يتحول إلى استنزاف جماعي صامت. خمس ليرات تُضاف هنا، وعشر ليرات تُقرب هناك، وباق لا يُعاد في مكان آخر؛ ثم يصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن نقص التخطيط، بينما تتحول عمليات التقريب تدريجياً إلى زيادة غير معلنة في الأسعار.
في الأسواق، لم يعد السعر المعلن دائماً هو السعر الذي يدفعه المستهلك. فإذا كان ثمن سلعة 15 أو 35 أو 45 ليرة، ولم تتوافر الفئة المناسبة لإعادة الباقي، يصبح الحل خاضعاً لاجتهاد البائع؛ إما تقريب السعر إلى الأعلى، أو مطالبة الزبون بشراء سلعة إضافية، أو إعطاؤه قطعة حلوى أو منتجاً لا يحتاج إليه بدلاً من النقود. وهكذا تتحول حقوق المستهلك إلى مسألة تفاوض يومية، ويصبح «عدم وجود فراطة» مبرراً عملياً لتغيير قيمة الصفقة بعد إتمامها.
أما في وسائل النقل، فتبدو المشكلة أكثر قسوة. فالراكب الذي لا يملك المبلغ الدقيق قد يضطر إلى دفع أكثر من الأجرة، أو الدخول في نقاش متكرر مع السائق، أو انتظار تجميع المبلغ بين الركاب. ومع غياب آلية واضحة لضبط الأجور أو توفير الفئات المناسبة، تتحول رحلة قصيرة إلى اختبار يومي للأعصاب، ويصبح نقص النقد جزءاً من كلفة التنقل.
الأخطر أن غياب الفئات الصغيرة يفتح الباب أمام تسعير غير عادل وغير موحد. فقد يبيع متجر سلعة بسعر، بينما يرفع متجر آخر السعر بحجة عدم توافر الباقي. وقد تُعاد صياغة الأسعار كلها لتصبح مضاعفات الفئات المتاحة، لا انعكاساً حقيقياً للتكلفة أو هامش الربح. وفي هذه الحالة، لا يعود السوق محكوماً بقواعد العرض والطلب فقط، بل بما هو موجود في أدراج الباعة أيضاً.
والمفارقة أن العملة الجديدة كان يفترض أن تُسهل التداول وتمنح السوق وضوحاً واستقراراً، لكنها دخلت إلى الحياة اليومية من دون أن تكتمل أدواتها الأساسية. فإصدار عملة لا يقتصر على طباعة أوراق نقدية أو تحديد شكلها وقيمتها، بل يتطلب دراسة دقيقة لحاجات السوق، وتوفير سلسلة متكاملة من الفئات، وضمان وصولها إلى جميع المناطق، والاستعداد لما سيحدث في المحال ووسائل النقل والأسواق الشعبية بعد انتهاء العملة السابقة.
إن غياب فئة 5 ليرات، وندرة فئتي 10 و25 ليرة، لا يمثلان مجرد نقص في التوزيع، بل يكشفان فجوة بين القرار النقدي والواقع المعيشي. فالسياسات تُصاغ على مستوى المؤسسات، لكن آثارها تظهر عند بائع الخضار، وفي الحافلة، وعلى طاولة المخبز، وفي يد المواطن الذي يحاول دفع ثمن احتياجاته اليومية. وإذا لم تكن العملة قادرة على إتمام أبسط عملية شراء بدقة، فإن الحديث عن نجاح الانتقال النقدي يبقى ناقصاً.
وتتضاعف المشكلة بالنسبة إلى ذوي الدخل المحدود. فالأسر التي تحسب نفقاتها يوماً بيوم لا تنظر إلى فرق خمس أو عشر ليرات باعتباره مبلغاً هامشياً، لأن هذا الفرق يتكرر في الغذاء والنقل والاحتياجات الأساسية. وما قد يبدو خسارة بسيطة في عملية واحدة يمكن أن يتحول، مع التكرار، إلى عبء حقيقي على ميزانية الأسرة.
كما أن ترك السوق يعالج الأزمة بوسائله الخاصة يخلق حالة من الفوضى غير المنظمة. فبعض التجار يتحملون فرق التقريب، وبعضهم يحمّله للمستهلك، وآخرون يقدمون سلعاً بدل الباقي، فيما تبقى القواعد غامضة وغير موحدة. والنتيجة أن المواطن لا يعرف ما له وما عليه، وأن السعر الفعلي يصبح قابلاً للتغيير وفق مزاج البائع أو حجم الفئات الموجودة في صندوقه.
لا يمكن معالجة هذه الأزمة بالشعارات أو بالطلب من المواطنين «التأقلم». المطلوب هو ضخ كميات كافية من الفئات الصغيرة، وضمان توزيعها بصورة عادلة، وإعادة النظر في الحاجة إلى فئة 5 ليرات، ومراقبة عمليات التقريب التي قد تتحول إلى وسيلة لرفع الأسعار، إلى جانب تطوير وسائل دفع إلكترونية بسيطة وآمنة لا تستثني الفئات الأقل دخلاً أو المناطق التي تعاني ضعف الخدمات.
فالعملة ليست رمزاً وطنياً أو تصميماً جديداً فحسب؛ إنها أداة يومية يجب أن تعمل في أصغر عملية شراء كما تعمل في أكبر صفقة. وعندما يعجز المواطن عن دفع أجرة النقل بدقة، أو يحصل على سلعة لا يريدها بدل حقه النقدي، أو يُجبر على دفع مبلغ أعلى لأن «الفراطة غير موجودة»، فإن الخلل لم يعد في جيب المواطن، بل في إدارة الانتقال النقدي نفسها.
إن أزمة الفئات الصغيرة قد تبدو هامشية في لغة الأرقام، لكنها في الواقع اختبار حقيقي لمدى جاهزية العملة الجديدة. وإذا استمر نقصها، فستبقى السوق تعمل بالتقريب والارتجال، وسيدفع المواطن ثمن كل فجوة في التخطيط، ليرة بعد ليرة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289