الحمى القلاعية تعود إلى قطعان حماة... والطمأنة الرسمية لا تحمي المربين
تعود المخاوف من الحمى القلاعية لتخيم على قطعان الماشية في ريف حماة، مع حديث مربين عن ظهور إصابات وأعراض جديدة خلال النصف الثاني من تموز، في وقت لا تزال فيه الخسائر السابقة حاضرة في ذاكرة أصحاب القطعان، من نفوق المواليد وتراجع الإنتاج إلى ارتفاع تكاليف العلاج والخوف من اتساع العدوى.
بالنسبة إلى المربين، لا تبدو القضية مجرد إشاعة أو حالة عابرة. فالأعراض التي يتحدثون عنها، والخسائر التي يقولون إنهم تكبدوها، تعيد طرح أسئلة جدية حول واقع الرعاية البيطرية، ومدى جاهزية الجهات المعنية للرصد المبكر والتشخيص والاستجابة. ومع ذلك، جاء تصريح معاون مدير زراعة حماة لشؤون الثروة الحيوانية، محمد نور هدلة، مطمئناً إلى أن الوضع الصحي للثروة الحيوانية «جيد ومستقر»، وأن الجولات الميدانية لم تسجل حالات تستدعي القلق.
لكن هذه الطمأنة، رغم أهميتها، تبدو أقرب إلى خطاب عام منها إلى إجابة مسؤولة وشافية. فالمربون لا يحتاجون إلى عبارات مطمئنة فقط، بل إلى حقائق واضحة؛ كم قطيعاً جرى فحصه؟ كم حيواناً خضع للكشف؟ هل أُخذت عينات من الحالات المشتبه بها؟ ما نتائج التحاليل؟ هل سُجلت إصابات مؤكدة أو حالات نفوق؟ وما نسبة التغطية باللقاحات في المناطق التي تتكرر فيها الشكاوى؟
القول إن «الوضع مستقر» لا يبدد مخاوف من يواجه المرض داخل حظيرته، ولا يعوض خسارة حيوان نافق، ولا يخفف كلفة العلاج. والأسوأ أن غياب البيانات قد يفتح الباب أمام الشائعات والتشخيص العشوائي، فيتحول المربي إلى طبيب لقطيعه، ويصبح الدواء المتاح بديلاً عن التشخيص العلمي.
المشكلة لا تتوقف عند المرض، بل تمتد إلى واقع الرعاية البيطرية. فالمربون في المناطق البعيدة يواجهون صعوبة في الوصول إلى الخدمات، ونقصاً في الكوادر أو ضعفاً في عمل بعض المراكز، وارتفاعاً في أسعار الأدوية واللقاحات، فضلاً عن أعباء النقل وتكاليف العلاج. وعندما تتأخر الخدمة البيطرية، تصبح الإصابة المحدودة خطراً على القطيع كله.
إن حماية الثروة الحيوانية ليست مسؤولية المربي وحده. واجب الجهات الرسمية أن تصل إلى مناطق الرعي، لا أن تنتظر وصول المربين إليها. المطلوب فرق بيطرية متنقلة، ومسوح ميدانية منتظمة، وأخذ عينات من الحالات المشتبه بها، ونشر نتائج الفحوص بشفافية، وتأمين اللقاحات والأدوية، وإعادة تفعيل المراكز المتوقفة، وتشديد الرقابة على سوق الدواء البيطري.
ولا يكفي إعلان الجاهزية ما لم يلمسها المربي على الأرض. فالمخبر الذي لا تصل إليه العينات، والمركز الذي لا يملك كوادر أو أدوية، واللقاح الذي لا يصل إلى القطيع في الوقت المناسب، كل ذلك لا يشكّل حماية فعلية.
قد لا تكون كل الحالات التي يتحدث عنها المربون حمى قلاعية، وهذا لا يحسمه إلا التشخيص البيطري والمخبري. لكن غياب التأكيد لا يبرر تجاهل الشكاوى أو الاكتفاء بالطمأنة. بل يفرض تحقيقاً أوسع، ورصداً أدق، واستجابة أسرع.
الثروة الحيوانية مورد اقتصادي وأمن غذائي ومصدر رزق لآلاف الأسر. وحمايتها تحتاج إلى أفعال قابلة للقياس، لا إلى عبارات عامة. فالمربي الذي يرى المرض يعود إلى قطيعه لا ينتظر طمأنة؛ إنه ينتظر طبيباً ولقاحاً وفحصاً وخطة واضحة قبل أن تتحول الخسائر الفردية إلى أزمة أوسع.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289