النبك تختنق بالصرف الصحي... أزمة مزمنة لا تُعالج بالترحيل

النبك تختنق بالصرف الصحي... أزمة مزمنة لا تُعالج بالترحيل

لم تعد مشكلة الصرف الصحي في مدينة النبك مجرد خلل خدمي عابر، ولا يمكن التعامل معها بوصفها مشروعاً مؤجلاً أو ملفاً إدارياً قابلاً للتأجيل إلى أجل غير معلوم. إنها أزمة قديمة ومزمنة، تراكمت آثارها عاماً بعد عام، حتى أصبحت قضية صحية وبيئية واجتماعية تمس حياة السكان وحقهم الأساسي في بيئة سليمة وخدمات عامة آمنة.

إن استمرار المشكلة طوال هذه السنوات يطرح سؤالاً مشروعاً ومباشراً: إلى متى تبقى النبك بلا حل جذري؟ وكم من الوعود والدراسات والاقتراحات يجب أن تمر قبل أن تتحول الحاجة الملحة إلى مشروع فعلي ومحطة معالجة قائمة تعمل على الأرض؟
المشكلة لم تعد في تشخيص الخلل، فآثار الصرف الصحي غير المعالج أو غير المُدار بصورة سليمة معروفة وواضحة. الخطر لا يتوقف عند الروائح الكريهة أو تشويه المشهد البيئي، بل يمتد إلى احتمالات تلوث التربة والمياه الجوفية، والإضرار بالأراضي الزراعية، وزيادة انتشار الحشرات والآفات، وخلق بيئة قد تساعد على انتقال الأمراض، خصوصاً عندما يستمر التلوث إلى فترات طويلة ويتراكم دون معالجة حقيقية.
والأخطر أن الضرر البيئي لا يتوقف عند حدود زمنية قصيرة. فالتلوث المتكرر قد يترك آثاراً تراكمية يصعب احتواؤها لاحقاً، وقد تتحول كلفة إصلاح الأضرار بعد سنوات إلى أضعاف كلفة إنشاء الحل من البداية. إن تأجيل المعالجة لا يعني توفير المال، بل قد يعني تأجيل الإنفاق حتى تصبح الأزمة أكبر وأكثر تعقيداً وكلفة.

وفي هذا السياق، تبرز المقترحات المتعلقة بتحويل مجرى الصرف الصحي باتجاه دير عطية والحميرة. وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: نقل مياه الصرف من مكان إلى آخر ليس معالجة، بل نقل للمشكلة وتوسيع لنطاقها الجغرافي. فالمياه العادمة لا تتحول إلى مياه آمنة بمجرد تغيير مسارها، ولا تختفي مخاطرها الصحية والبيئية عندما تُنقل بعيداً عن مصدرها.
إن تحويل مجرى الصرف، في غياب محطة معالجة فعالة، قد يخفف الضغط عن منطقة، لكنه يهدد بنقل الأعباء والمخاطر إلى مناطق أخرى. وهذا ليس حلاً عادلاً ولا مستداماً، بل قد يخلق أزمة جديدة بين المدن والبلدات، ويضع سكان دير عطية والحميرة أمام أخطار لم يكونوا سبباً فيها. وقد أثارت المقترحات الخاصة بجر مياه الصرف باتجاه أراضي دير عطية اعتراضات ومخاوف محلية مرتبطة بغياب المعالجة الكافية واحتمال التأثير في البيئة والأراضي والمياه، وهو ما يعزز ضرورة إخضاع أي مشروع لدراسة الأثر البيئي دراسة واضحة وشفافة.
لا يجوز أن تتحول دير عطية أو الحميرة إلى مكان لتجميع نتائج عجز مزمن عن معالجة المشكلة في النبك. فالمسؤولية لا تكون بإبعاد مصدر التلوث عن المدينة، بل بإزالة الخطر من أساسه عبر المعالجة العلمية والآمنة. إن الحل الهندسي الحقيقي يبدأ بجمع المياه العادمة ونقلها ضمن شبكة مدروسة إلى محطة معالجة حديثة، ثم معالجة المياه وفق المعايير البيئية والصحية، بدل تصريفها أو تحويلها إلى أراض ومناطق أخرى.
إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الوعود، ولا حلولاً مؤقتة تُدار بمنطق تأجيل الأزمة، بل قرار واضح بإقرار إنشاء محطة معالجة لمياه الصرف الصحي في النبك بالسرعة الممكنة، ووضع جدول زمني معلن للتنفيذ، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل مرحلة، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالمشروع أمام السكان والرأي العام.

كما أن الحديث عن نقص التمويل لا يجب أن يكون ذريعة لاستمرار الأزمة. بل ينبغي أن يكون دافعاً للتحرك الجاد من أجل تأمين مصادر التمويل، من خلال الموازنة العامة، والجهات الحكومية المختصة، وبرامج إعادة تأهيل البنية التحتية، والمنظمات والصناديق التنموية، وأي شراكات قانونية وشفافة يمكن أن تسهم في تنفيذ المشروع. فتمويل محطة معالجة ليس إنفاقاً ثانوياً، بل استثمار مباشر في الصحة العامة وحماية المياه والتربة والبيئة ومستقبل المدينة.
وتحتاج النبك إلى خطة متكاملة لا تقتصر على إنشاء المحطة، بل تشمل تأهيل شبكة الصرف الصحي، وإصلاح نقاط التسرب والاختناقات، وتحسين محطات الضخ، ووضع برنامج صيانة دوري، ومراقبة جودة المياه والتربة، وضمان وجود ميزانية تشغيل وصيانة مستدامة. فالمحطة التي تُنشأ دون تمويل مستمر للتشغيل والصيانة قد تتحول بعد سنوات إلى مشروع متعثر جديد.

لقد طال انتظار الحل، وأصبح من غير المقبول أن تبقى مدينة النبك رهينة المعالجات المؤقتة والتأجيل المستمر. إن صحة الناس والبيئة لا تحتملان مزيداً من التجارب أو الترحيل. والمطلوب اليوم هو الانتقال من الكلام إلى التنفيذ، ومن إدارة الأزمة إلى إنهائها.
لا إلى نقل مشكلة الصرف الصحي من النبك إلى دير عطية والحميرة.
نعم لمحطة معالجة حديثة، ممولة، قابلة للتشغيل، ومُنجزة ضمن جدول زمني واضح.
إن الحل الحقيقي ليس تغيير اتجاه مجرى الصرف، بل إيقاف التلوث من مصدره ومعالجة المياه العادمة معالجة آمنة وجذرية. وكل تأخير جديد يعني مزيداً من التراكم البيئي، ومزيداً من المخاطر الصحية، ومزيداً من الأعباء التي سيدفع ثمنها السكان اليوم والأجيال القادمة غداً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1289