أزمة البنزين تعود إلى دمشق...
عادت أزمة الازدحام أمام محطات الوقود في دمشق إلى الواجهة مجدداً نهاية الأسبوع الماضي، مع تسجيل طوابير طويلة أمام عدد من الكازيات، وغياب البنزين عن بعضها أو تراجع الكميات المتاحة فيها. ولم تكن هذه المرة الأولى؛ فالأزمة باتت تتكرر بين الحين والآخر، بدرجات متفاوتة من حيث الشدة والانتشار، قبل أن تنحسر ثم تعود من جديد، ما يثير تساؤلات جدية حول أسبابها وطريقة إدارة ملف المشتقات النفطية.
في 30 تموز، نقلت الإخبارية السورية عن مدير مكتب الإحصاء والبيانات البترولية في إدارة تنظيم قطاع البترول، سيف العلي، تأكيده عدم وجود نقص في توريدات المحروقات. وعزا الازدحام إلى عدم كفاية عدد محطات الوقود، وزيادة عدد المركبات، وتضرر عدد كبير من محطات ريف دمشق، وما نتج عن ذلك من ضغط إضافي على محطات العاصمة.
لكن هذا التفسير بدا ناقصاً أمام طبيعة الأزمة المتكررة. فقلة عدد المحطات ليست مشكلة ظهرت فجأة، وزيادة عدد المركبات ليست متغيراً طارئاً، كما أن تضرر محطات ريف دمشق واقع قائم منذ فترة. ولو كانت هذه العوامل هي السبب الكامل للأزمة، لكان الازدحام مستمراً أو شبه دائم، لا أن يظهر في فترات محددة ثم يتراجع قبل أن يعود بدرجات مختلفة.
وبعد عودة الأزمة إلى دمشق نهاية الأسبوع الماضي، صدر بيان لاحق عن الشركة السورية للبترول بتاريخ 31 تموز، أكد استمرار توريدات المشتقات النفطية إلى المستودعات، ومواصلة تعبئة الصهاريج ونقلها إلى المحافظات ومحطات الوقود وفق الخطط التشغيلية. لكنه أضاف تفسيراً جديداً، إذ أرجع الضغط المؤقت على التوزيع إلى التوترات الإقليمية واضطرابات سلاسل الإمداد، إلى جانب ارتفاع الطلب، ما أدى، بحسب البيان، إلى «اختلال مؤقت بين العرض والطلب».
وهنا تظهر فجوة واضحة بين التفسيرين. فالتصريح الأول ركز على عوامل داخلية وبنيوية، مثل محدودية عدد المحطات وزيادة المركبات، بينما أقر البيان اللاحق بوجود عوامل ظرفية مرتبطة باضطراب سلاسل الإمداد واختلال التوازن بين العرض والطلب. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا لم تُذكر هذه العوامل منذ البداية؟ وهل كانت أزمة المحطات وحدها كافية لتفسير الازدحام، أم إن الصورة لم تكن مكتملة؟
صحيح أن استمرار التوريدات لا يعني بالضرورة وصول الكميات إلى المحطات بالسرعة والكفاءة المطلوبتين، لكن مسؤولية إدارة القطاع لا تتوقف عند تأكيد دخول المشتقات إلى المستودعات. فالمعيار الحقيقي هو قدرة المنظومة على إيصال الوقود إلى المحطات في الوقت المناسب، وبكميات تمنع تحول أي اضطراب إلى أزمة عامة.
كما أن التوترات الإقليمية واضطرابات الإمداد لا تعفي الجهات المعنية من المسؤولية، بل تضع أداءها أمام اختبار التخطيط والاستعداد. فهل كانت هناك مخزونات احتياطية كافية؟ وهل وُضعت خطط بديلة لمواجهة أي تأخير أو اضطراب؟ وهل جرى توزيع الكميات بطريقة تقلل الضغط على دمشق؟ أم إن الاستجابة بدأت بعد تشكل الطوابير؟
إن الاعتراف بوجود اختلال مؤقت بين العرض والطلب أكثر وضوحاً من الاكتفاء بالحديث عن قلة المحطات، لكنه يبقى ناقصاً ما لم تُنشر بيانات تحدد حجم الخلل ومدته وأثره على المحافظات والمحطات.
فالمواطن لا يحتاج إلى تطمينات عامة، بل إلى إجابات قابلة للقياس؛ ما حجم التوريدات؟ وكم يصل فعلياً إلى دمشق؟ ومتى تعود الإمدادات إلى وضعها الطبيعي؟ وما الإجراءات التي ستمنع تكرار الأزمة؟
عودة الطوابير نهاية الأسبوع الماضي تؤكد أن المشكلة ليست مجرد عدد محطات أو زيادة مركبات. وبين تصريح 30 تموز وبيان 31 تموز، تتغير التفسيرات، لكن الواقع يبقى واحداً، أزمة تتكرر، وشفافية لا تزال أقل من حجم الأسئلة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289