أرقام رسمية متضاربة ووعود حكومية لا ترقى إلى خطورة المشهد...
وفقاً لبيانات سابقة للبرنامج الوطني لمكافحة الإيدز وإحصائيات حديثة، قفز عدد الإصابات بنسبة 120% من 95 حالة عام 2023 إلى 212 حالة عام 2025، وهو ما يستدعي وقفة جادة لا تطمينات عابرة.
والأهم مما تسجّله الإحصاءات هو ما تخفيه خلفها من قصور في السياسات الصحية والوقائية، وتنصل من المسؤولية، وترديد لبروتوكولات عالمية لا تناسب واقعاً صحياً سورياً يئن تحت وطأة الانهيار.
هل يكفي النفي؟!
في النصف الأول من 2026، سجّل البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز 103 إصابات جديدة، وما إن تداولت وسائل الإعلام هذا الرقم حتى بادر المكتب الإعلامي لوزارة الصحة إلى نفيه، مؤكداً أنه «لم تطرأ زيادة تُذكر على عدد الإصابات وإن أية أرقام للعام الحالي فهي غير مستندة إلى مرجعية رسمية».
هذا التناقض الفاضح بين التصريحات الرسمية يكشف عن خلل في سياسة التواصل، وعن محاولة لطي الملف قبل أن يُفتح.
فإما أن تكون الأرقام صحيحة، وإما أن تكون آلية الرصد «المُحتفى بها» غير موثوقة، وفي كلتا الحالتين، المشكلة قائمة.
1538 إصابة تراكمية...
تحاول إدارة البرنامج التطمين، بأن رقم «1538» إصابة ليس خلال عام واحد، بل العدد التراكمي للمصابين الأحياء المسجلين لدى البرنامج منذ عام 1990، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً، لمَ الكشف عن هذا الرقم اليوم بعد كل هذه السنوات؟
التفسير الرسمي للارتفاع يعود إلى «تحسّن آليات الرصد وعودة لمواطنين من الخارج»، وهذان السببان مشروعان وفق «التبرير الرسمي»، لكنهما لا يعفيان الدولة من مسؤوليتها في وضع بروتوكولات وقائية استباقية تليق بحجم التحدي.
تحميل الوافدين المسؤولية!
أشار مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز «عمر أبو النعاج»، إلى أن الارتفاع في الإصابات جاء «بعد اتساع دائرة التنقل بين المحافظات والدول المجاورة»، وهذا يعني ضمنياً تحميل جزء من المسؤولية للوافدين والعائدين، لكن ماذا عن هذا الانفتاح الذي كشف أنه لا حواجز صحية أصلاً وأن الحدود تُركت مشرّعة لأي خطر صحي دون أدنى حد لأي إجراء وقائي؟!
فهل الحل في تحميل الآخرين تبعات الإهمال والتقصير بدلاً من تشديد الإجراءات الصحية للعبور إلى سورية؟
من هنا تبرز ضرورة إلزام كل من يدخلها، «دون استثناء» بفحص طبي يثبت خلوه من الفيروس، سواء قبل المغادرة من بلد المنشأ أو عند الوصول.
هذه الخطوة ليست تمييزية، إنما إجراء وقائي استباقي، في بلد نظامه الصحي على حافة الهاوية. فالفيروس لا يعرف هوية ولا جنسية، والحديث عن «حالات قادمة من الخارج» يجب ألّا يتحول إلى ذريعة للتغاضي عن ضرورة تطوير بروتوكولات وطنية للوقاية!
آليات رسمية على أهميتها لا تكفي!
تؤكد الوزارة اعتمادها على فحوص ما قبل الزواج، وفحوص بنوك الدم، والمسوحات للفئات الأكثر عرضة، وهذه آليات «مهمة» لكنها غير كافية.
كما التوعية والتثقيف المجتمعي، رغم أهميتهما، لا يمكن أن يحلا محل سياسة وقائية شاملة، خاصة أنه ما زال «الوصم الاجتماعي» عائقاً كبيراً أمام الكشف المبكر والتبليغ الطوعي.
لذلك، لا بد من تشجيع الفحص المبكر، وضمان السرية التامة، وتوسيع برامج التوعية لتشمل كل شرائح المجتمع، وليس الفئات «الأكثر عرضة» فقط.
فسورية بواقعها الصحي المنهك، تتطلب بروتوكولات محلية، تضع في الاعتبار تدهور البنية التحتية، وضعف التمويل، وهجرة الكوادر الطبية، وتفشي الأمراض المزمنة الأخرى.
وهذا لا ينطبق على الإيدز فقط، بل على كل الأمراض المزمنة المعدية، فغياب استراتيجية وطنية شاملة للوقاية سيُبقي الأرقام في ارتفاع، وستظل التطمينات الرسمية تغطي على تقصير حقيقي.
بالمحصلة
هنا لا نتحدث عن وباء، ولا عن انتشار واسع. لكن هذه مؤشرات مقلقة، لا يمكن تمريرها بصمت.
فالمواطن السوري، الذي يعاني أصلاً من واقع صحي متدهور ومشافٍ تفتقر إلى أدنى متطلبات الرعاية الصحية، لا ينقصه المزيد من المعاناة، لذا الدولة مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتحمّل مسؤولياتها كاملة، ليس عبر التصريحات والتطمينات، بل بوضع خطة وطنية شاملة تجمع بين إجراءات الوقاية الاستباقية، والتشخيص المبكر، والعلاج المجاني، والتوعية المجتمعية الجادة.
فالإيدز ليس وصمة عار، بل مرض، والتعامل معه بشفافية ومسؤولية هو أقل ما يمكن تقديمه لشعب أنهكه الفقر والحرب والمرض.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289
منية سليمان