ملف تلوث مياه الشرب بالصرف الصحي يتطلب خطة وطنية شاملة
لا يحتاج المواطن السوري إلى تقارير مخبرية ليعرف أن المياه الخارجة من الصنوبر ملوثة، فالرائحة وحدها كافية، والطعم شاهد، وأعراض وحالات التسمم التي تملأ المشافي والمراكز الصحية دليل دامغ. فما كان استثناءً صارخاً تحول إلى قاعدة صامتة، وما كان حادثاً عابراً غدا مشكلة مزمنة تفتك بالناس على مرأى ومسمع الجهات المعنية!
خريطة التلوث تتسع...
ففي شباط الماضي، سُجّلت حالات تسمم جماعي في حي الدويلعة بدمشق إثر اختلاط مياه الشرب بالصرف الصحي. وفي 27 نيسان، ظهرت إصابات مؤكدة بالتهاب الكبد الوبائي في قرية محجبة بدرعا للسبب ذاته، أما في 15 أيار، تكرر المشهد في ريف حمص نتيجة تلوث مصدر مياه نبعة الزارة، وفي 21 تموز بالغوطة الشرقية، وتحديداً بلدة مسرابا، ولم تكن المرة الأولى التي تختلط فيها مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، وفي ريف دير الزور الشمالي، تسجل المراكز الصحية ارتفاعاً مطرداً في إصابات التهاب الكبد، والمؤشرات الأولية تشير إلى تلوث المياه، لكن التحاليل الرسمية «لم تؤكد بعد»، كأن التأكيد يحتاج إلى مزيد من الضحايا!
وقبل أيام فقط، عاد المشهد إلى قلب دمشق، في القابون، حيث تفشّت إصابات تسمم جديدة، بالتزامن مع تحذيرات مبطنة أدلى بها مدير الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي أحمد درويش، من وجود «مخاوف لتسرب مياه الصرف إلى شبكة مياه الشرب في بلدة عين الفيجة»، وفق ما ذكرت صحيفة «الثورة» بتاريخ 27/7/2026. هذا المصدر الحيوي الذي يغذي العاصمة بأكملها، لكن الإجراء بقي في إطار «الإصلاحات» الجزئية التي تشبه وضع لاصق طبي على شريان مفتوح، كما أوضح «درويش» أن الشركة تنتظر إعادة البت بقانون الاستملاك الصادر عام 2018 لتنفيذ معالجات «شاملة»، فهل يعقل أن تنتظر صحة الملايين قانوناً عالقاً؟!
استمرار سياسة الترقيع
ما يجري ليس وليد لحظة طارئة، بل هو نتاج سياسة ممنهجة قوامها إهمال البنى التحتية منذ عقود، وتقادم شبكات مياه الشرب والصرف الصحي، وتمدّيدات فنية كارثية للشبكات تحت الأرض، تنتظر شرخاً واحداً لتنفجر الكارثة، فالقصة ليست في العطل فحسب، بل في أسلوب المعالجة الذي يعتمد إصلاحاً هنا، وترميماً هناك، وانتظار الكارثة الآتية.
إن استمرار الدولة في انتهاج سياسات «تخفيض الإنفاق» وتخليها المتعمد عن دورها، معتمدة على تبرعات الأهالي «الذين لا حول ولا قوة لهم»، لإصلاح عطل طارئ، ليس فقراً في الموارد بقدر ما هو اختيار سياسي متعمد لتكريس البؤس.
وعندما يتحول تمويل إصلاح شبكة مياه من موازنة الدولة إلى «هبات» من منظمات دولية مشروطة، يصبح الماء رهينة، وتصبح الصحة سلعة، ويصبح المواطن رقماً في معادلة لا تعنيه.
الخطة الوطنية ليست ترفاً
تعد خسائر قطاع المياه بسبب الحرب كبيرة جداً، وتعتمد الجهات المعنية على منحة البنك الدولي البالغة 225 مليون دولار، وعلى المساعدات التمويلية المحدودة والجزئية لبعض المنظمات، ويبدو أن الرهان على المساعدات لحل أزمة المياه هو رهان خاسر، فملف المياه ليس مجرد ملف خدمي، بل قضية سيادة وطنية وأمن قومي.
المطلوب، وضع هذا الملف على الطاولة الحكومية، وتخصيص الاعتمادات المالية اللازمة والكافية، والمدة الزمنية التمويلية، للانتقال من نهج الترقيع إلى خطة وطنية واضحة وشاملة ومستدامة وشفافة تعيد تأهيل البنى التحتية، وتفصل مياه الشرب عن مياه الصرف الصحي، وتضع حياة المواطن وسلامته فوق أي اعتبار، فالماء ليس ترفاً، بل حق أساسي، والاستمرار في حرمان السوريين منه هو إمعان في إذلالهم وتكريس رسمي متعمد لمعاناتهم اليومية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289
رهف ونوس