سورية: دعوةٌ لتحكيم العقل ونبذ الخطاب التحريضي
تتالت على الجغرافيا السورية، عبر العقدين الأخيرين، شتى أشكال القهر، إلا أن المأساة الحقيقية الماثلة اليوم لا تكمن فقط في حجم الدمار المادي، أو تفتت البنية السياسية؛ بل في سيادة حالة من «اللاعقلانية» التي باتت تحكم الخطاب والممارسة على حد سواء. إن العقلانية اليوم ليست ترفاً فكرياً، أو خياراً فلسفياً يناقش في الصالونات الثقافية المغلقة، بل هي بالمعنى الوجودي والسياسي الدقيق، المعادل الوحيد والضروري لأي موقف إنقاذي في سورية. وستبقى هذه البلاد، بإنسانها وترابها، عرضة للتجاذبات الداخلية الحادة، والارتهانات الإقليمية والدولية، ما لم تتشكل كتلة تاريخية حرجة تعيد الاعتبار للمنهج العقلاني في مقاربة الواقع.
فخّ (العالم الموازي)
أولى عتبات العقلانية تتطلب خروجاً شجاعاً من «العالم الموازي» والمصطنع الذي تفرضه منصات التواصل الاجتماعي، والانتقال الفوري إلى عالم الواقع: عالم الفقر والفاقة والجوع، القلق الكياني والمستقبل الغامض، عالم مخيمات النزوح المنسية، وجيش المسرحين من العمل، وعالم المغيبين والمخطوفين والمخطوفات، الذين تحولوا في حسابات السياسة إلى مجرد أرقام وملفات للمقايضة. في هذا الفضاء الافتراضي المشوه، نعيش مفارقة سريالية مذهلة؛ إذ كيف يمكن لعقل سليم أن يتعاطى مع ظرف شاذ تصبح فيه أي قضية جزئية، فئوية، طائفية، أو قومية ضيقة، «ترينداً» جارفاً يشغل الرأي العام لأيام وأسابيع ويستنفر العصبيات الدفينة، في حين تُدفع القضايا الجادة، الكبرى والعامة، إلى الهوامش المعتمة؟
تجلت هذه المفارقة مؤخراً في دعوات الاحتجاج والاعتصامات التي خاضها الفلاحون في محافظات الجزيرة السورية (الحسكة، الرقة، دير الزور) وصولاً إلى حماة ودرعا، رفضاً لتسعيرة القمح المجحفة. نحن هنا لا نتحدث عن مطلب فئوي عابر، بل عن قضية تمس ملايين السوريين بشكل مباشر في لقمة عيشهم، وتضرب عصب أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، وتهدد الأمن الغذائي الذي هو قلب الأمن الوطني السوري. ومع ذلك، ونظراً لغياب البعد الغرائزي أو الطائفي أو الفتنوي عن هذا الحراك المطلبي العقلاني، نادراً ما تحول اعتصام واحد من تلك العشرات إلى- تريند- يحظى بالتغطية والاهتمام. لقد هُمشت قضية الجوع والإنتاج الوطني، لحساب معارك الهويات الصغرى المُتَخيّلة.
الفرز على أساس المصالح
إن الدعوة إلى الخطاب العقلاني المأمول، ليست موجهة بأي حال من الأحوال إلى أمراء الحرب، أو النخب المستفيدة من استمرار الاستعصاء الراهن وتجارة الأزمات؛ فهؤلاء يملكون عقلانيتهم الخاصة، القائمة على حسابات الربح والخسارة وتراكم الثروة والنفوذ على حساب جثث المحرومين. إن الخطاب موجه حصراً إلى القواعد الشعبية والبيئات الاجتماعية لهذه الأطراف، الذين كانوا وما زالوا الوقود والمحرق الدائم في معارك النخب وصراعاتهم الوظيفية. إن التجلي الملموس للعقلانية ضمن الظرف السوري الراهن، والمعادل الحقيقي لاستعادة العقل، يكمن في إعادة فرز القوى على أساس المصالح الحقيقية والمشتركة للسوريين. المصالح التي تجمع فلاح الحسكة الكردي والعربي مع عامل دمشق وموظف الساحل المسرح والنازح في إدلب.
العقلانية السياسية تستوجب أيضاً: استخدام واستنفار وتجميع كل الطاقات والقدرات الفكرية والاجتماعية الكامنة في المجتمع السوري، من ساسة جادين إلى نخب ثقافية، من كتاب وفنانين إلى رجال الدين، إلى كل قوى التأثير في المجتمع.. أما الانتظار، والتردد، والوقوف في طوابير المتفرجين، وترك الأمور لـ «التقادير» أو للخرائط الدولية والاتفاقيات الإقليمية، فهو الفعل الأبعد عن العقلانية؛ لأنه يعني ببساطة تسليماً بـ «الموت السريري» للكيان السوري.
الزعامات المحلية
في المقاربة الواقعية لشكل الخريطة الحالية، ينبغي أن تعترف العقلانية السياسية بالحقائق على الأرض دون إنكار أو مواربة. إذ تشكلت في ظل سلطة الفراغ بنى محلية على مستوى المحافظة والمدينة والقرية والحي، وباتت أمراً واقعاً؛ فهذه البنى المحلية، ورغم ما قد تحمله أحياناً من شكل ما قبل وطني (عشائري، مناطقي)، يمكن أن تتحول وبناء على تجربتها الملموسة إلى روافع لواقع جديد، إذا ما أحسن التعاطي معها، خصوصاً مع بدء التحول النوعي في الحراك الشعبي مؤخراً. العقلانية تستوجب عدم القفز فوق هذه البنى، بل تفهّمها دون الذوبان فيها، ومحاولة جسر الهوة فيما بينها، لربط هذه «الزعامات المحلية» في مشروع حوار وطني أفقي (سوري - سوري) عابر لخطوط الانقسام.
الحوار أو الانتحار الجماعي
في نهاية المطاف، يجب التذكير بالبديهية التاريخية التي نسيها الكثيرون: إن أقصر الطرق للخروج من الاستعصاء التاريخي، وأقلها كلفة على الإطلاق، كانت وما زالت تكمن في الحلول الجذرية الشاملة. ولا وجود لحل جذري في الأفق السوري يمكن إنتاجه عبر أدوات القمع، أو عبر محاولات «تلويث» الحراك المطلبي، أو من خلال الاستمرار في اجترار الهذيان الطائفي والقومي والديني. الظواهر الاجتماعية والاحتجاجية الحالية هي ظواهر تاريخية موضوعية، تولد من رحم الحاجة والاضطهاد والجوع، ولا يمكن تصفيتها بقرار أمني أو تجاهلها بتسويف سياسي، ولا يمكن التغطية عليها من خلال تريند.
إن المخرج الوحيد المتبقي قبل السقوط في قاع التفتت النهائي، هو التداعي إلى مؤتمر وطني عام وشامل، يقطع تماماً مع الأوهام المرضية بإمكانية «احتكار السلطة» أو غلبة قومية أو طائفية أو دينية.. لقد حان الوقت لكي تثبت العقلانية وجودها، ويصمت الخطاب التعبوي الأعمى: ليقل العقل السوري كلمته - أخيراً- وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1279
رمزي السالم