هل أصبحت ««إسرائيل»» عبئاً انتخابياً في السياسة الأمريكية؟
بقي دعم «إسرائيل» لعقود طويلة واحداً من أكثر الثوابت رسوخاً في السياسة الأمريكية. اختلف الجمهوريون والديمقراطيون في الضرائب والهجرة والحروب والاقتصاد، لكن العلاقة مع «إسرائيل» ظلت في معظم الأحيان خارج دائرة الخلاف الحقيقي.
هيلينا كوبان
هذه القاعدة بدأت تتصدع
لم تعد القضية الفلسطينية شأناً خارجياً هامشياً بالنسبة إلى شريحة متزايدة من الناخبين الأمريكيين، خصوصاً بين الشباب واليسار الديمقراطي. ومع حرب غزة منذ 2023، ثم اتساع التوترات العسكرية في المنطقة، دخلت العلاقة مع «إسرائيل» في قلب النقاش الداخلي، حول الإنفاق والحروب، والأسعار، وحتى أولويات السياسة الأمريكية نفسها.
لم تقلب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 السياسة الأمريكية تجاه «إسرائيل» بين ليلة وضحاها، لكنها أظهرت أن الوقوف ضد الدعم غير المشروط «لإسرائيل» لم يعد يعني بالضرورة الانتحار السياسي.
وهذا تحول كبير بحد ذاته.
من قضية خارجية إلى اختبار انتخابي
لسنوات طويلة، كان السياسي الأمريكي يستطيع أن يخسر الكثير، إذا دخل في مواجهة مباشرة مع المؤسسات المؤيدة «لإسرائيل»، بينما لم يكن يجني عادة مكاسب انتخابية واضحة من الدفاع عن الفلسطينيين.
لهذا اتسمت السياسة الأمريكية بدرجة عالية من الاستمرارية.
بدأت العلاقة بين واشنطن و«إسرائيل» تتعمق بعد تأسيس «إسرائيل» عام 1948، ثم توسعت بصورة أكبر خلال العقود التالية. وبالتوازي، تطورت داخل الولايات المتحدة شبكة واسعة من المؤسسات والجماعات الضاغطة الداعمة «لإسرائيل».
أشهر هذه المؤسسات: لجنة الشؤون العامة الأمريكية «الإسرائيلية» AIPAC، التي أصبحت خلال عقود، واحدة من أكثر جماعات الضغط حضوراً في السياسة الأمريكية.
لم تأت قدرتها فقط من المال، أو العلاقات مع السياسيين، وإنما من قدرتها على جعل مخالفة الإجماع المؤيد «لإسرائيل» مكلفة انتخابياً.
في ثمانينيات القرن الماضي مثلاً: ارتبط اسم المنظمة بحملات ضد سياسيين أمريكيين بارزين، اتخذوا مواقف أكثر انفتاحاً تجاه منظمة التحرير الفلسطينية، أو أكثر انتقاداً للسياسة «الإسرائيلية».
وبالتدريج، نشأت قاعدة ضمنية داخل واشنطن: يستطيع السياسي أن يختلف مع الحكومة «الإسرائيلية» حول التفاصيل، لكن التشكيك بالعلاقة نفسها يحمل مخاطرة عالية.
غزة غيرت المعادلة...
بدأت الشقوق تظهر قبل حرب غزة بسنوات.
دخل إلى الكونغرس جيل أصغر وأكثر «يسارية» من الديمقراطيين، بينهم رشيدة طالب، وإلهان عمر، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وغيرهم ممن أصبحوا مرتبطين بما عرف باسم «السكواد». هؤلاء لم يجعلوا فلسطين قضيتهم الوحيدة، لكنها أصبحت جزءاً واضحاً من أجندتهم.
ثم جاءت حرب غزة بعد 7 تشرين الأول 2023.
دفعت مشاهد الحرب والدمار وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين القضية الفلسطينية إلى مساحة لم تصل إليها سابقاً في النقاش الأمريكي الحديث.
امتدت الاحتجاجات إلى الجامعات، وظهرت اعتصامات وحركات طلابية، وتحولت مواقف إدارة جو بايدن من «إسرائيل» إلى نقطة خلاف داخل القاعدة الديمقراطية نفسها.
لم يكن الخلاف حول السياسة الخارجية وحدها.
بالنسبة إلى جزء من الشباب الأمريكي، أصبحت القضية مرتبطة بسؤال أوسع: لماذا تستطيع الحكومة تمويل حروب وتحالفات خارجية، بينما تعجز عن معالجة أزمة الإسكان، أو الديون الطلابية، أو الرعاية الصحية؟
وهذا الربط بين السياسة الخارجية والأولويات الاجتماعية هو ما منح الموضوع قوة سياسية أكبر.
«غير الملتزمين» يدخلون الحزب
وصل هذا التوتر إلى الانتخابات الرئاسية عام 2024.
ظهرت حركة «غير الملتزمين» داخل القاعدة الديمقراطية، ورفضت تقديم دعم تلقائي لمرشح الحزب بسبب استمرار دعم إدارة بايدن «لإسرائيل».
لم تكن الحركة بحجم يسمح لها وحدها بحسم الانتخابات، لكنها كشفت شيئاً مهماً: أصبح لفلسطين جمهور انتخابي يمكن تنظيمه، لا مجرد جمهور احتجاجي في الشارع.
بعد الانتخابات، بدأ جزء من هذه الحركة بالانتقال من الاحتجاج خارج المؤسسات إلى العمل داخل الحزب الديمقراطي. وهنا تغيرت طبيعة المعركة.
بدلاً من مطالبة الحزب بتغيير موقفه من الخارج فقط، بدأ ناشطون ومرشحون بمحاولة تغيير التوازن داخل الانتخابات التمهيدية نفسها. وأصبحت نيويورك واحدة من أبرز ساحات هذا التحول.
أظهر صعود زهران ممداني، وانتصاره على مرشحين أقرب إلى المؤسسة التقليدية، أن تبنّي موقف واضح في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، لا يمنع بالضرورة الفوز، حتى في مدينة تعد مركزاً تاريخياً مهماً للحياة اليهودية الأمريكية.
الأهم، أن التجربة بدأت تتكرر في انتخابات تمهيدية أخرى.
AIPAC لم تعد مرعبة كما كانت...
القضية هنا لا تتعلق بانتهاء نفوذ AIPAC. فالمنظمة وشبكة المؤسسات المؤيدة «لإسرائيل» ما تزال تملك علاقات سياسية، وموارد مالية، وخبرة طويلة في الحملات الانتخابية. لكن الذي تغير هو الخوف منها.
قبل سنوات قليلة، كان مجرد الحصول على دعم AIPAC يُعد ميزة سياسية لدى كثير من المرشحين الديمقراطيين والجمهوريين. اليوم أصبح بعض المرشحين أكثر حذراً تجاه هذا الارتباط، خصوصاً في الدوائر التي تضم أعداداً كبيرة من الشباب أو الناخبين التقدميين.
ذلك يعني، أن الدعم «لإسرائيل» لم يعد مكسباً سياسياً صافياً في كل مكان. في بعض الدوائر ما يزال الدعم القوي «لإسرائيل» مفيداً. وفي دوائر أخرى أصبح من الممكن أن يستخدمه الخصوم ضد المرشح، بوصفه دليلاً على ارتباطه بجماعات ضغط، أو بسياسة خارجية لا تعكس أولويات الناخبين.
وهذه هي النقلة الحقيقية.
الحرب والأسعار
تعزز هذا التحول مع توسع التوتر العسكري في المنطقة.
كلما ارتبطت الحرب بارتفاع أسعار الوقود، أو بزيادة الإنفاق العسكري، أصبح السؤال عن العلاقة مع «إسرائيل» أكثر اتصالاً بالحياة اليومية للأمريكيين. الناخب الذي لا يتابع تفاصيل الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي» قد يبدأ بالاهتمام عندما يرى انعكاساته في سعر البنزين، أو الغذاء، أو الموازنة العامة.
لهذا تغيرت طبيعة الخطاب. لم تعد القضية تُطرح فقط بوصفها سؤالاً أخلاقياً متعلقاً بحقوق الفلسطينيين، أو أمن «إسرائيل»... أصبحت أيضاً سؤالاً أمريكياً داخلياً: ما الذي تحصل عليه الولايات المتحدة مقابل هذا التحالف؟ وما كلفته الاقتصادية والسياسية والعسكرية؟ وهل يجب أن يبقى الدعم بلا شروط؟
هذه الأسئلة كانت موجودة من قبل، لكنها لم تكن جزءاً طبيعياً من الخطاب السياسي السائد كما هي الآن.
الجمهوريون أيضاً أمام المشكلة
لا يقتصر التحول على الديمقراطيين. الحزب الجمهوري ما يزال أكثر دعماً «لإسرائيل» بصورة عامة، خصوصاً بسبب الوزن الكبير للتيار الإنجيلي المسيحي داخل قاعدته. لكن داخل اليمين الأمريكي نفسه توجد تيارات أكثر انعزالية، ترفض الحروب الخارجية، والالتزامات العسكرية المفتوحة.
هذه التيارات لا تنطلق من الدفاع عن الفلسطينيين بالضرورة، وإنما من شعار «أمريكا أولاً». ومن هنا يمكن أن يلتقي طرف من اليسار وطرف من اليمين عند النتيجة نفسها لأسباب مختلفة: تقليل الالتزامات العسكرية الأمريكية في الخارج.
يصل اليسار إليها انطلاقاً من رفض الحروب والإنفاق العسكري.
ويصل اليمين الانعزالي إليها انطلاقاً من رفض أن تدفع أمريكا تكاليف حماية الآخرين.
هل انتهى عصر الدعم غير المشروط؟
من المبكر الوصول إلى هذه النتيجة. الرئيس ما يزال يمتلك صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، والكونغرس الجديد لا يستطيع وحده إعادة صياغة العلاقة الأمريكية «الإسرائيلية» بسرعة.
كما أن العلاقة بين البلدين لا تقوم فقط على جماعات الضغط. هناك تعاون عسكري واستخباراتي وتكنولوجي ومصالح إقليمية تراكمت خلال عقود. لكن السياسة لا تتغير عادة بقرار مفاجئ. تتغير عندما يصبح ما كان بديهياً موضع سؤال. وهذا ما يحدث اليوم.
لستة عقود تقريباً، كان السؤال داخل واشنطن هو: إلى أي مدى يجب دعم «إسرائيل»؟
أما السؤال الذي بدأ يظهر الآن فهو مختلف: هل يجب أن يبقى هذا الدعم غير مشروط أصلاً؟
المسافة بين السؤالين كبيرة. وقد تكون انتخابات 2026 أقل أهمية بما غيرته فوراً، وأكثر أهمية بما جعلته ممكناً في السنوات المقبلة.