Skip to main content

من البرازيل إلى صربيا.. الانتخابات تعكس قلقاً أوسع من صناديق الاقتراع...

 |  قاسيون  |  شؤون استراتيجية

تكشف الانتخابات الأخيرة في البرازيل وصربيا، إلى جانب موجة الاحتجاجات التي تشهدها دول أوروبية، عن حالة سياسية واحدة تتخذ أشكالاً مختلفة: ناخبون أكثر قلقاً، نخب تقليدية تفقد قدرتها على الإقناع، واقتصادات لم تعد قادرة بسهولة على توفير مستوى الاستقرار الذي اعتادت عليه مجتمعاتها.

تانغ شيانغلونغ وشين تشيانغ


النتائج مختلفة من بلد إلى آخر. في البرازيل نجح لولا دا سيلفا في قلب نتيجة الجولة الأولى والاحتفاظ بالرئاسة. وفي صربيا خسر المعسكر السياسي المرتبط بألكسندر فوتشيتش الانتخابات البرلمانية. وفي فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية يتزايد الضغط من الشارع على الأحزاب الحاكمة.
لكن خلف هذه المشاهد توجد أسئلة متشابهة: هل يستطيع النظام السياسي الاستجابة لتراجع مستوى المعيشة؟ هل ما زالت الشعارات التقليدية لليمين واليسار قادرة على تحريك الناخبين؟ وما مقدار التأثير الذي تستطيع الولايات المتحدة ممارسته في دول تحاول الاحتفاظ بهامش من الاستقلال السياسي؟


لولا يعود إلى الطبقة والمجتمع


كانت المفاجأة الأبرز في البرازيل، أن لولا دخل الجولة الثانية بعد نتيجة أولى أثارت شكوكاً جدية في قدرته على الفوز.
المنطق الانتخابي كان يبدو لمصلحة منافسه فلافيو بولسونارو. عدد من المرشحين الذين خرجوا من الجولة الأولى ينتمون بصورة عامة إلى التيار المحافظ، وكان من المتوقع انتقال قسم كبير من أصواتهم إلى مرشح اليمين.
لكن لولا لم يخض الجولة الثانية باعتبارها مجرد عملية حسابية لنقل أصوات المرشحين الخاسرين. عاد إلى قاعدته الاجتماعية الأصلية.
تحدث أكثر عن العمال، والأجور، وظروف العمل، والحقوق الاجتماعية، وعن مسائل يومية، مثل: العطلة الأسبوعية، وتكاليف الحياة. وبدلاً من محاولة استمالة اليمين، ركز على إعادة تعبئة ناخبين يساريين ومحبطين لم يشاركوا بكثافة في الجولة الأولى.
كان ذلك مهماً، لأن المشكلة لم تكن بالضرورة انتقال جمهور يساري واسع إلى اليمين. جزء من الأزمة كان في الامتناع والتردد وفقدان الحماسة.
بين الجولتين، تحولت المخاوف من عودة اليمين إلى السلطة إلى أداة تعبئة. الناخب الذي افترض في الجولة الأولى أن فوز لولا مضمون أصبح أمام احتمال فعلي لهزيمته.
وهنا عاد العامل الشخصي أيضاً. لولا ليس مجرد ممثل لحزب العمال. تجربته السياسية الطويلة، وخلفيته العمالية، وطريقته المباشرة في مخاطبة الجمهور تمنحه قدرة على استدعاء روابط سياسية واجتماعية يصعب على مرشح آخر داخل اليسار البرازيلي إعادة إنتاجها.
ولهذا يحمل فوزه مفارقة مهمة: الرئيس بقي يسارياً، بينما بقي البرلمان أكثر ميلاً إلى المحافظين.
ذلك يعني أن البرازيل لم تتحول فجأة إلى اليسار. فوز لولا يعبّر عن قدرة شخصية وسياسية على منع اليمين من السيطرة الكاملة، أكثر مما يعبر عن انقلاب شامل في المزاج الاجتماعي.


العامل الأمريكي يدخل الحملة


دخلت الولايات المتحدة الانتخابات البرازيلية أيضاً من زاوية السيادة.
كانت العلاقة الوثيقة بين عائلة بولسونارو وترامب مادة جاهزة أمام لولا، الذي قدم نفسه بوصفه ممثلاً لاستقلال القرار البرازيلي، وللتعددية الدولية، ولعلاقات أوسع مع دول الجنوب العالمي.
ضغط إدارة ترامب على البرازيل، بما في ذلك الملفات التجارية، وفر للحملة اليسارية فرصة لدمج القضية الاجتماعية بالقضية الوطنية.
لم يعد السؤال فقط من يقدم سياسة اقتصادية أفضل، وإنما أي نوع من العلاقات تريد البرازيل إقامته مع القوة المهيمنة في نصف الكرة الغربي.
لكن هذا لا يعني أن لولا يتجه نحو مواجهة مع واشنطن.
البرازيل تعتمد على شبكة علاقات اقتصادية وسياسية تجعل القطيعة مع الولايات المتحدة خياراً مكلفاً للغاية. وفي المقابل، لا تريد التخلي عن علاقاتها المتنامية مع الصين، أو عن دورها داخل «بريكس» أو عن طموحها إلى تمثيل الجنوب العالمي.
لهذا ستستمر السياسة البرازيلية على الأرجح في البحث عن مساحة بين القوتين.
الصين شريك اقتصادي بالغ الأهمية، والولايات المتحدة قوة لا يمكن تجاوزها في البيئة الإقليمية والدولية. ومن هنا يصبح الاستقلال البرازيلي محاولة دائمة للموازنة بين المصالح، لا اختياراً بسيطاً بين بكين وواشنطن.


صربيا ومشكلة البقاء طويلاً في السلطة


الحالة الصربية مختلفة. خسارة المعسكر المرتبط بفوتشيتش جاءت بعد سنوات طويلة ظل فيها الرجل الشخصية المركزية في النظام السياسي.
وخلال تلك السنوات نجحت بلغراد في إدارة توازن بالغ الصعوبة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والولايات المتحدة. حافظت على علاقاتها التاريخية والاقتصادية مع موسكو، وسعت في الوقت نفسه إلى الاقتراب من الاتحاد الأوروبي، ووسعت تعاونها الاقتصادي مع الصين.
لكن النجاح في إدارة الخارج لا يلغي تراكم الداخل. بعد سنوات طويلة من الحكم، يصبح أي حزب مسؤولاً عن المشكلات الموجودة مهما كانت أسبابها. قضايا الفساد، واستياء الشباب، والحوادث التي تتحول إلى رموز لسوء الإدارة، كلها تبدأ بالتجمع في رصيد سياسي سلبي.
وقد شكلت الاحتجاجات التي شهدتها صربيا خلال السنوات الأخيرة تعبيراً عن هذه الحالة.
معسكر فوتشيتش ربط جزءاً من الحراك والنتيجة الانتخابية بتدخل غربي، وظهرت من داخل التيار الحاكم اتهامات بوجود محاولة لإحداث تغيير سياسي مدعوم من الخارج. لكن تفسير النتيجة بالتدخل الخارجي وحده يبقى غير كافٍ لفهم حجم السخط الداخلي.
حتى عندما توجد محاولات خارجية للتأثير، فإن قدرتها على تحقيق نتائج ترتبط أساساً بوجود أرضية محلية تسمح لها بذلك.
وهذه الأرضية تشكلت في صربيا من تعب سياسي متراكم لدى جزء من المجتمع، ورفض لاستمرار الأشخاص أنفسهم في مركز السلطة، وشعور لدى قطاعات من الشباب بأن النظام السياسي لم يعد يعبّر عنهم.
المفارقة، أن إسقاط المعسكر القديم قد يكون الجزء الأسهل. من سيحكم صربيا سيجد نفسه أمام الملفات نفسها التي واجهها فوتشيتش.
هناك كوسوفو، وهناك العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وهناك الاعتماد على الطاقة الروسية، وهناك الاستثمارات والعلاقات المتنامية مع الصين، وهناك الضغوط الغربية المتصلة بالسياسة تجاه موسكو.
الجغرافيا الصربية لا تتغير بتغير الحكومة. ولهذا فإن القوى الجديدة التي وصلت إلى البرلمان، أو توسع نفوذها... ستنتقل سريعاً من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة الاختبار.


أوروبا والمشكلة الاقتصادية تحت السياسة


هذه الظاهرة لا تقتصر على البرازيل أو صربيا. في فرنسا ودول أوروبية أخرى تتزايد الاحتجاجات المرتبطة بالأسعار والطاقة والضرائب ومستوى الخدمات العامة. وما يظهر سياسياً بوصفه صراعاً بين اليمين واليسار، أو بين الأحزاب التقليدية والقوى الشعبوية، له أساس اقتصادي واضح.
الحكومات الأوروبية تواجه مالية عامة أكثر ضيقاً، ونفقات اجتماعية مرتفعة، وتباطؤاً اقتصادياً، وأزمة طاقة، وضغوطاً مرتبطة بالهجرة، إلى جانب تكاليف الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا والتوترات التجارية مع الولايات المتحدة.
المعادلة التي قامت عليها السياسة الأوروبية لعقود أصبحت أصعب: نمو اقتصادي كافٍ، وظائف مستقرة، خدمات عامة واسعة، وقدرة على تمويل دولة الرفاه.
عندما تتراجع هذه العناصر، تبدأ الخلافات السياسية بالحدة. الناخب الذي يشعر بأن دخله لم يعد يكفيه يصبح أقل اهتماماً بالتحذيرات التقليدية من الأحزاب «المتطرفة»، وأكثر استعداداً لتجربة قوى تعده بتغيير المسار.
لكن صعود الأحزاب البديلة لا يعني أنها تملك حلولاً جاهزة. التجربة نفسها قد تتكرر: غضب على الحكومة، صعود قوة جديدة، صعوبة في تنفيذ الوعود، ثم انتقال جديد في اتجاه آخر.
السياسة تعود إلى سؤال المعيشة
من البرازيل إلى صربيا وأوروبا، يبدو أن مرحلة طويلة من السياسة المبنية على الهوية الحزبية وحدها تتعرض للاهتزاز. الاقتصاد يعود إلى مركز الصراع.
الأجور، والوظائف، والطاقة، والأسعار، والضرائب، والخدمات العامة، أصبحت العناصر التي تحدد قدرة الأحزاب على الصمود.
العامل الأمريكي حاضر أيضاً، لكنه لا يعمل بالطريقة نفسها في كل مكان. في البرازيل يمكن أن يصبح النفوذ الأمريكي موضوعاً لتحفيز النزعة السيادية. وفي صربيا يظهر ضمن صراع أوسع على الاتجاه الجيوسياسي للبلاد. وفي أوروبا تتحول العلاقة مع واشنطن إلى جزء من النقاش حول الأمن والطاقة وتكاليف الحرب في أوكرانيا.
لكن القوى الخارجية لا تصنع كل شيء. الدولة التي تتمتع باقتصاد مستقر ونظام سياسي يحظى بثقة مجتمعية تكون أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الخارجية. وعندما تضعف هذه العناصر، يصبح الخارج أكثر تأثيراً.