أزمة أوروبا: أموال دولة الحرب لا بد أن تأتي من دولة الرفاه
بدأ كل شيء من الديزل. في أواخر أيلول، بدأ سائقو الشاحنات في كالابريا وصقلية بإيطاليا إغلاق تقاطعات الطرق السريعة بشاحناتهم. فمنذ أن هاجمت الولايات المتحدة و«إسرائيل» إيران في شباط من هذا العام، وتعرض نقل النفط عبر مضيق هرمز للاضطراب، بدأت أسعار الوقود في الارتفاع.
وبحلول أواخر أيلول، تجاوز سعر الديزل 2.30 يورو لليتر. ثم انتهت في 5 تشرين الأول أحدث إجراءات الحكومة الخاصة بخفض الضرائب على الوقود، لترتفع الأسعار أكثر.
بالنسبة إلى سائقي الشاحنات، أصبحت كلفة ملء الخزان الواحد تقارب 2500 يورو، بعدما كانت نحو 1500 يورو في السابق.
وخلال أسابيع قليلة، انتشرت الاحتجاجات في أنحاء جنوب إيطاليا. أغلق آلاف المزارعين والصيادين وسائقي الشاحنات الطرق، ثم انضم إليهم سريعاً باعة متجولون، وأصحاب متاجر صغيرة، وأسر عادية أنهكتها تكاليف المعيشة.
وقد حُدد يوم 27 تشرين الأول موعداً لتظاهرة وطنية في روما. قال أحد المزارعين في كالابريا: «نحن لسنا في حرب مع أحد. هم الذين يشنون الحرب علينا».
حتى الآن، تراوحت استجابة الحكومة بين اللامبالاة والعجز. تركت إجراءات خفض الضرائب على الوقود تنتهي، ولم تصدر حتى الآن المرسوم الذي كان من المفترض أن يعيد إلى السائقين جزءاً من ضريبة القيمة المضافة الإضافية التي تحصلها الدولة. كما لم تلقَ طلبات عقد اجتماع مع وزارة النقل التي يقودها ماتيو سالفيني أي استجابة.
لكن إيطاليا ليست وحدها. في فرنسا، خرج طلاب مئات المدارس الثانوية إلى الشوارع مطالبين بزيادة التمويل، وتحسين البنية التحتية وإصلاح التعليم. وفي إسبانيا، أدت الإيجارات المرتفعة وصناديق الاستثمار المضارِبة إلى احتجاجات سكنية واسعة. أما في بلجيكا، فقد اجتاحت البلاد تظاهرات مناهضة للتقشف.
تختلف الشرارات والمشاركون والمطالب: طلاب، ومستأجرون، وشركات نقل صغيرة، ومزارعون. لكنها كلها تعكس شيئاً واحداً:
التراجع المستمر في مستوى المعيشة. وهذا التراجع ليس منفصلاً عن الخيارات الجيوسياسية التي اتخذتها الحكومات الأوروبية.
في البداية، فصلت نفسها عن الطاقة الروسية الرخيصة. ثم تبعت الولايات المتحدة في حربها في الشرق الأوسط، وهي حرب رفعت أسعار النفط مجدداً، رغم أن الحكومات الأوروبية أصدرت إدانات لفظية واستعراضية في بعض الأحيان، بينما سمحت عملياً لواشنطن باستخدام قواعدها في أوروبا دعماً للعمليات العسكرية ضد إيران، كما أقر الأمين العام لحلف الناتو مارك روته.
وفوق ذلك كله، تعهدت الدول الأوروبية بزيادات هائلة في الإنفاق العسكري، في الوقت الذي يفترض بها أن تلتزم بالقواعد المالية الصارمة للاتحاد الأوروبي.
والآلية هنا واضحة للغاية: الأموال اللازمة لبناء دولة الحرب لا بد أن تأتي من دولة الرفاه.
ميلوني والوقود وأوكرانيا
كان الخطاب الأخير لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أمام البرلمان معبراً جداً عن هذا المأزق. جددت ميلوني دعمها القوي لكييف، وأرجعت ارتفاع أسعار الوقود أساساً إلى الحرب مع إيران، لكنها لم تذكر الحكومة التي أطلقت تلك الحرب.
يصعب العثور على مثال أوضح من هذا على ما يمكن وصفه بالأطلسية الأوروبية التي تلحق الضرر بنفسها. فبضغط من واشنطن، أصبحت أوروبا اليوم تعتمد بدرجة أكبر على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي الأعلى كلفة، وتساهم في تمويل الحرب في أوكرانيا، وهي حرب ألحقت هي نفسها أضراراً كبيرة بالاقتصاد الأوروبي.
والآن، وصلت أوروبا إلى نقطة تبدو فيها عالقة في هذا المسار إلى حد يجعلها تضاعف الرهان عليه، حتى في وقت تخفف فيه واشنطن الضغوط على موسكو، وتبدأ بشراء الديزل الروسي.
سيصبح الدفاع عن هذا الموقف أصعب فأصعب، في إيطاليا وفي أوروبا عموماً. فمن بين جميع المناطق التي وجدت نفسها عالقة في المواجهة الغربية مع روسيا وإيران، تبدو أوروبا الطرف الذي يدفع الكلفة الأكبر.
فهي تعتمد على استيراد الطاقة. وصناعتها تفقد قدرتها. وموازناتها محكومة بقيود صارمة. ولعقود، جرى تقديم «اتباع واشنطن» للأوروبيين على أنه الثمن الضروري للازدهار. أما اليوم، فقد اختفى قدر كبير من هذا الازدهار، بينما بقيت الفاتورة قائمة.
الجرارات المتوقفة على الطريق السريع A14، والقوارب العالقة في موانئ كالابريا، توضح أن هذه الصفقة بدأت تتفكك. والحكومات التي تواصل دعم حرب أوكرانيا التي لا تنتهي، وتستمر في الانصياع لواشنطن في الشرق الأوسط، ينبغي أن تتوقع رؤية المزيد من هذه المشاهد.