«زرع النفط»: من الثروة إلى القدرة على الإنتاج
تملك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكنها لم تنجح في تحويل هذه الثروة إلى قاعدة إنتاجية مستقرة. هذه المفارقة تعيد إلى الواجهة فكرة طرحها المفكر الفنزويلي أرتورو أوسلار بييتري عام 1936: «زرع النفط». فالنفط مورد ناضب، ولا يكفي أن يُستخرج ويُباع وتُنفق عائداته؛ الأهم أن تتحول هذه العائدات إلى ما يبقى: صناعة، وزراعة، وبنية تحتية، ومعرفة، ومهارات، وشركات محلية.
بعد نحو تسعين عاماً، تبدو الفكرة كأنها كُتبت لفنزويلا الحالية. فمعظم الاحتياطيات تتركز في حزام أورينوكو، حيث الخام شديد الكثافة ويحتاج إلى معالجة ومعدات متخصصة. والاعتماد الطويل على النفط أضعف القطاعات الأخرى، بينما عانت الصناعة النفطية نفسها من نقص الاستثمار وتقادم المعدات وخروج الخبرات. ثم زادت العقوبات الأمريكية، خصوصاً بعد تشديدها في 2019، صعوبة الحصول على التمويل وقطع الغيار وبعض المعدات.
تتوقع فنزويلا جذب نحو 76 مليار دولار من الاستثمارات النفطية خلال خمس سنوات. لكن السؤال الأهم ليس حجم الاستثمار ولا عدد البراميل الإضافية، بل ما الذي سيبقى داخل البلاد بعد أن يعود النفط إلى التدفق. فالاختبار الحقيقي هو مدى خلق موردين محليين، وتدريب مهندسين، ونقل معرفة تقنية، ودعم صناعات مرتبطة بالطاقة، وتوجيه جزء من الإيرادات نحو قطاعات جديدة. الفرق كبير بين بلد يصدر النفط، وبلد يستخدم النفط لبناء اقتصاد.
وتتقاطع تجربة فنزويلا مع سؤال لاتيني أوسع: هل تبني العلاقة بالاقتصاد العالمي قدرات داخلية، أم تعمّق الاعتماد؟ والبنية التحتية تختصر ذلك؛ فطريق يربط منجماً بميناء يسهّل التصدير، أما شبكة تربط الإنتاج بمصانع وموردين وأسواق إقليمية فإنها تبني اقتصاداً. والاستقلال الاقتصادي لا يعني العزلة، بل القدرة على تحديد شروط المشاركة في الاقتصاد العالمي. كما أن امتلاك النفط لا يعني امتلاك سلسلة القيمة كاملة: الحفر، والمعدات، والهندسة، والتكرير، والبتروكيماويات، والنقل، والصيانة، والبرمجيات، والتدريب، والتمويل.
لذلك لا ينبغي قياس نجاح أي موجة استثمار نفطي بعدد الحقول التي عادت للعمل وحدها، بل بعدد الشركات المحلية التي تدخل السلسلة، والمهارات والتقنيات والصناعات التي تنشأ. بيع النفط ليس المشكلة؛ المشكلة أن يكون الاستخراج نهاية العملية الاقتصادية. أما «زرع النفط» فيعني أن تكون هذه النهاية بداية لشيء آخر: ثروة ناضبة تتحول إلى معرفة لا تنضب بسهولة، وإلى صناعة قادرة على التطور، وبنية تحتية تربط الاقتصاد من الداخل، وجيل يمتلك مهارات جديدة. عندها فقط يمكن القول: إن النفط لم يُستهلك، بل زُرع.