من تكلامكان إلى العالم.. هل تصبح التجربة الصينية نموذجاً لمكافحة التصحر؟
حين تُذكر مكافحة التصحر تقليدياً، تبدو المهمة واضحة: وقف الرمال، زراعة الأشجار، وحماية المدن والزراعة. لكن تجربة صحراء تكلامكان في غرب الصين تقدم تصوراً أوسع: التصحر ليس مشكلة بيئية منفصلة، بل مسألة تتداخل فيها المياه والزراعة والطاقة والبنية التحتية والبحث والاقتصاد المحلي. النتيجة ليست حزاماً أخضر فقط، بل نموذج يجعل مكافحة التصحر قابلة للاستمرار. قيمتها لدول الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى ليست في نسخ المشروع، بل في فهم منطقه. فالصحراء لا تعالج بالطريقة نفسها في كل مكان، والمياه والتربة وقدرات التمويل تختلف، لكن بعض المبادئ قابلة للنقل، وأهمها:
تشانغ ويوي
أن مكافحة التصحر ليست حملة موسمية، بل استراتيجية عقود تدمج العلم والاقتصاد والبيئة.
من وقف الرمال إلى إدارة نظام كامل...
تكلامكان، من أكبر الصحارى الرملية المتحركة. بدأت الصين قبل أكثر من أربعين عاماً تثبيت أطرافها، وأنهت في 2024 حزاماً بطول 3046 كيلومتراً. لكن الأهم: أن المشروع لم ينتهِ. الحزام الأول بداية مرحلة ثانية لتوسيع العمق وتحسين النوعية. مقاومة التصحر لا تنتهي بزرع النباتات، أو وضع الحواجز. المشروع البيئي نظام يحتاج إدارة وصيانة وتكيفاً مستمراً مع الأمراض، وتغير المياه والجفاف والفيضانات. فقد تتعرض النباتات للأمراض، أو تتغير المياه، أو تأتي سنوات أكثر جفافاً، أو تضرب فيضانات مناطق لم تكن تتعرض لها. لذلك يعتمد النجاح على التكيف، لا على خطة ثابتة.
لا توجد وصفة واحدة
انتقلت التجربة من «ازرعوا الأشجار» إلى «استخدموا ما يناسب البيئة». إذا ناسبت الأشجار زُرعت، وإذا ناسبت الشجيرات استخدمت، وإذا كانت الأعشاب أقدر على البقاء فُضلت. وفي مواقع يكون ترك الأرض على طبيعتها هو الحل. هذا يميز بين الصحراء كنظام طبيعي، والتصحر كتدهور يهدد الواحات والطرق والزراعة والسكن. الهدف ليس إلغاء الصحراء، بل منعها من ابتلاع مناطق الحياة والإنتاج.
ثلاث أدوات تعمل معاً
الأولى: هندسية، حواجز تخفض سرعة الرياح وتمنع حركة الرمال، مثل: الشبكات ومربعات القش.
الثانية: بيولوجية، نباتات تتحمل الجفاف والملوحة، وتستهلك مياهاً قليلة.
الثالثة: ربط التصحر بالطاقة الشمسية؛ فالألواح تولد الكهرباء، وتقلل تعرض الأرض للشمس، وتخفض التبخر، وتعمل جزئياً كحواجز رياح، وتشغل المضخات والري.
هكذا تنشأ علاقة متبادلة: الصحراء توفر المساحة والشمس، والطاقة المتجددة تُمول التشغيل. هذا مهم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتقاطع الصحارى مع إشعاع شمسي مرتفع، فيمكن دمج الطاقة واستصلاح الأراضي في نظام واحد. هذا النموذج يمكن أن يكون ذا أهمية خاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتقاطع مساحات صحراوية شاسعة مع مستويات مرتفعة من الإشعاع الشمسي، بدلاً من التعامل مع مشروع الطاقة ومشروع استصلاح الأراضي كمسارين منفصلين.
الماء نقطة البداية
كل الحلول تصطدم بسؤال: من أين تأتي المياه؟ المبدأ الأساسي: لا تحدد حجم الزراعة أو التشجير ثم تبحث عن المياه، بل كمية المياه المتاحة تحدد حجم المشروع ونوع النباتات. لذلك اعتمد الري بالتنقيط، وتحسين احتفاظ التربة، ومعالجة المياه المالحة، وتقنيات تقليل الاستهلاك. مصدر المياه ليس ثابتاً: مياه جوفية، فيضانات موسمية، أو جمع الرطوبة في المناطق الساحلية. الدرس: ابدأ بالماء، ثم صمم المشروع حوله. وهذا ضروري في البلدان التي تعاني الإجهاد من المائي، حيث قد يتحول تشجير ضخم غير مدروس إلى عبء على المياه.
العلم قبل التوسع
لم يعد التوسع يعتمد على العمل اليدوي فقط. قبل اختيار النباتات، أو الري، تُدرس التربة والملوحة والمسامية والمياه والمناخ والآفات، ثم يُصمم الحل وفق البيانات. ويدخل الذكاء الاصطناعي في التحليل وإدارة الري ومتابعة التغيرات. هذا تحول من نشاط زراعي إلى إدارة بيئية قائمة على البيانات. التكنولوجيا القابلة للتصدير ليست آلة أو نظام ري فقط، بل القدرة على تشخيص المشكلة قبل اختيار الحل. فالصحراء الساحلية ليست الداخلية، والرملية ليست المالحة، ومن تعاني نقص المياه ليست من تتعرض لفيضانات. لذا لا معنى لنسخ وصفة جاهزة، بل نقل منهج التشخيص والتجربة والتعديل.
عندما تصبح مكافحة التصحر مشروعاً اقتصادياً
المشكلة الكبرى، ليست البداية... بل الاستمرار بعد انتهاء التمويل. لذلك ربطت التجربة مكافحة التصحر بالاقتصاد المحلي: نباتات ذات قيمة طبية أو غذائية، ومحاصيل تتحمل الملوحة، وصناعات لمعالجة المنتجات، وطاقة شمسية كمصدر دخل، وسياحة صحراوية. وحتى الأشجار غير المنتجة تخفض خسائر الزراعة وتحمي الطرق والمنشآت وتقلل الصيانة. الحساب الأوسع: كم وفرت من خسائر؟ وما النشاط الذي أصبح ممكناً بعد استقرار الأرض؟
الفكرة ليست تحويل كل مشروع بيئي إلى شركة تجارية، بل خلق مصادر دخل تقلل اعتماد المشروع الكامل على التمويل الحكومي.
خفض التكلفة
التكنولوجيا مهمة، لا لأنها متطورة فقط، بل لأنها تجعل المشروع المستحيل مالياً قابلاً للتنفيذ. في منطقة صينية استُغني عن تسوية الكثبان واستُخدم نظام كالمدرجات فانخفضت الكلفة. وطُورت آلات لمد الحواجز في مساحات واسعة. هذا أهم للدول النامية من التقنيات عالية الكلفة. السؤال:
ما التقنية التي تحقق النتيجة بأقل تكلفة ويمكن صيانتها محلياً؟
الطبيعة جزء من المشروع
استُخدمت العمليات الطبيعية بدل مقاومتها. في حوض تاريم تُستخدم الفيضانات الموسمية لإحياء غابات متدهورة، ويساعد نثر البذور في النمو. هذا تحول من السيطرة الكاملة إلى العمل مع الطبيعة. وقد تكون استعادة مسارات المياه، أو حماية الغطاء المحلي، أقل تكلفة وأكثر استدامة من بناء هندسي جديد.
المشروع يحتاج وقتاً أطول من الحكومات
استغرق تطويق تكلامكان أكثر من أربعة عقود، وتجاوز أجيالاً من المسؤولين. مكافحة التصحر لا تعطي نتائج خلال دورة انتخابية، أو خطة خمسية. الأشجار والتربة والاقتصاد المحلي تحتاج وقتاً. لذا أهم درس قد يكون مؤسسياً: كيف يستمر المشروع مع تغير الحكومات والميزانيات؟
يحتاج أهدافاً طويلة المدى، ومؤسسات بحثية، وتمويلاً متعدد المصادر، وإشراك القطاع الخاص والمجتمع المحلي.
ما يمكن تصديره فعلاً
تتحدث الصين عن استخدام تقنياتها في أفريقيا والشرق الأوسط. لكن النجاح يعتمد على عدم نسخ التجربة. يمكن نقل معدات، مثل: آلات الحواجز وتقنيات الري والطاقة الشمسية ومعالجة المياه. أما النموذج الكامل فيعاد تصميمه محلياً، لأن توازن المياه والتمويل والسكان والزراعة والطاقة يختلف. النموذج العالمي المحتمل ليس مشروعاً موحداً... بل مبادئ: تشخيص محلي، واستخدام مدروس للمياه، ومزيج هندسي وبيولوجي وطاقة متجددة، وربط باقتصاد السكان، وخفض التكلفة، ومراقبة لعقود.
من الحزام الأخضر إلى نموذج عالمي؟
تجربة تكلامكان أهم من رقم 3046 كيلومتراً. العالم يواجه تدهور الأراضي، وارتفاع الحرارة، وضغط المياه، ودولاً كثيرة لا تستطيع تمويل تشجير كامل. الحل ليس إعلان الحرب على الصحراء، بل تحديد ما يجب حمايته، واختيار أقل الوسائل استهلاكاً للمياه، واستخدام العلم والطاقة والاقتصاد. بهذا تصبح مكافحة التصحر مشروعاً للطاقة، أو الغذاء، أو التنمية، أو حماية البنية التحتية. والسؤال لم يعد: كيف نجعل الصحراء خضراء؟ بل: كيف تجعل المجتمعات على أطرافها قادرة على العيش والإنتاج دون استنزاف البيئة؟ إذا نُقل هذا المنطق لا تفاصيله، تصبح تكلامكان مختبراً لنموذج عالمي لا يهزم الصحراء، بل يضع لها حدوداً ويتعايش معها ويحوّل كلفة الحماية إلى تنمية. وربما يكون هذا هو أهم تحول في الفكرة كلها.