القول بأن حرب أمريكا على إيران هدفها الصين يفوّت حقيقة المرحلة
منذ اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، تحملت بعض الدول العربية بصورة مباشرة أعباء الحرب، وأصبح مصير الشرق الأوسط محاطاً بدرجة عالية من عدم اليقين. ويتركز القلق العام على سؤال واضح: هل يمكن، بضغط من «إسرائيل»، أن تتوسع الحرب إلى مصر وتركيا وغيرهما من الدول، ثم تتحول في نهاية المطاف إلى حرب شاملة في المنطقة، تغرق الشرق الأوسط كله في حالة طويلة الأمد من الاضطراب تشبه ما حدث في أفغانستان سابقاً؟
وو ماي يه
في خضم هذا الوضع، ظهرت في المجال الإعلامي والسياسي العربي قراءة لهذه الحرب، تحظى بجمهور واسع. يشدد بعض المراقبين للشؤون الدولية على ضرورة عدم الاكتفاء بظاهر الحرب، بل اختراق الظاهر للوصول إلى «جوهرها الحقيقي». وبحسب هؤلاء، فإن أهداف الولايات المتحدة و«إسرائيل» تجاه إيران ليست واحدة. «فإسرائيل» تريد تدمير إيران، أو إضعافها من أجل إقامة هيمنة إقليمية في الشرق الأوسط. أما هدف الولايات المتحدة، فهو الحفاظ على هيمنتها العالمية. والنية الحقيقية لواشنطن، بحسب هذه القراءة، تتمثل في احتواء النفوذ الصيني في الشرق الأوسط عبر ضرب إيران.
ولهذا، لا ينبغي النظر إلى الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية بوصفها حدثاً منفصلاً، بل باعتبارها مجرد مرحلة من مراحل المنافسة الصينية الأمريكية.
من هو الطرف الحقيقي في الحرب الأمريكية الإيرانية؟
قد يبدو لنا ظهور مثل هذه الأفكار في العالم العربي أمراً مفاجئاً. لكن في الحقيقة، منذ ثمانينيات القرن الماضي، تكوّن في العالم العربي فهم خاص وتوقعات مميزة بشأن نهضة الصين، والأفكار الحالية امتداد لذلك السياق.
الباحث الأمريكي من أصل إيراني فالي نصر، الذي تخصص طويلاً في دراسة إيران والشرق الأوسط والسياسة في العالم الإسلامي، أصبح منذ شباط الماضي ضيفاً مطلوباً بكثرة في مختلف وسائل الإعلام الشرق أوسطية، وهو ما يعكس درجة الاعتراف بسلطته التحليلية.
في كتابه الصادر عام 2009 بعنوان «صعود الرأسمالية الإسلامية»، كتب نصر: «كثيراً ما تُروى العولمة باعتبارها قصة تراجع القوة الاقتصادية الأمريكية وصعود الصين، حيث تشكل الصين والولايات المتحدة العلاقة المركزية فيها، وقد أطلق المؤرخ نيل فيرغسون على هذه العلاقة اسم «Chimerica». لكن هذا المحور الهائل الممتد بين الشرق والغرب يتقاطع اليوم بصورة متزايدة مع اقتصادات إقليمية متعددة الاتجاهات، وأصبحت الحركة التجارية تمر بصورة متزايدة عبر دبي».
هذه العبارة تعكس، على الأرجح، «الإحساس المباشر» للعالم العربي بالعولمة. وربما بسبب هذا النوع من التجربة الملموسة، بدأ منذ مطلع القرن الحالي يظهر تيار فكري قوي بين النخب العربية يعتقد أن «الصين ستحل محل الولايات المتحدة وتؤسس نظاماً عالمياً جديداً».
لكن معظم هؤلاء النخب يفتقرون إلى القدرة على التفكير الجدلي. هم لا يدركون أن الاتجاه التاريخي لا يعني سوى إمكانية، ولا يتحول بالضرورة بصورة آلية ودقيقة إلى واقع تاريخي محتوم. فالفاعلية البشرية، والصدف، والعديد من العوامل المختلفة، كلها تؤثر في مسار المجتمعات الإنسانية.
عندما هاجم ترامب إيران فجأة في شباط هذا العام، لم تحقق العملية النتائج المتوقعة. أظهرت إيران درجة غير متوقعة من القدرة على الصمود والرد، وأغلقت مضيق هرمز، ثم وقعت مع الولايات المتحدة «مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية». أدت هذه التطورات إلى جعل موضوع «تراجع الإمبراطورية الأمريكية والنظام العالمي الجديد» واحداً من أكثر الموضوعات تداولاً في النقاشات الدولية.
ودخلت النخب العربية بدورها في هذا النقاش بحماسة شديدة. وفي إدراكها، فإن الشكل الذي اتخذته الحرب الأمريكية الإيرانية يمثل دليلاً إضافياً على أن «انتقال الدور العالمي للولايات المتحدة إلى الصين» عملية تاريخية مؤكدة لا شك فيها.
في الوقت نفسه، تبنت النخب العربية، كما لو كان الأمر عدوى فكرية، عدداً كبيراً من النظريات السياسية التي طورها اليمين الغربي الحديث والمعاصر، ثم طبقتها بصورة مباشرة على الواقع. ويحاول كثير من الخبراء «اختراق ظاهر الحرب» من خلال نظريات، مثل: «رقعة الشطرنج الكبرى»، و «فخ ثوسيديدس»، بل حتى «الماراثون المئوي».
بعبارة أخرى، ينظرون إلى الحرب المشتعلة أمامهم عبر مرشح النظريات السياسية الغربية، ثم يصلون إلى نتيجة مفادها: أن الطرف الذي تستهدفه الولايات المتحدة فعلياً هذه المرة ليس إيران، بل الصين. وسأطلق على هذه المقاربة فيما يلي اسم «نظرية صراع القوى الكبرى».
من الواضح، أن الشباب العرب لا يميلون إلى التشكيك في «نظرية صراع القوى الكبرى»، كما أنهم لا يشعرون بالنفور منها، بل يمكن القول: إنهم يستمتعون بها. يمكننا أن نرى إذاً أن مؤيدي «نظرية صراع القوى الكبرى» في العالم العربي يعبرون مختلف الأعمار والجنس والخلفيات والمواقف السياسية. وهذا يدل على أن هذه القراءة واسعة الانتشار ومتجذرة إلى حد كبير.
نفيٌ... أن يكون الشعب الإيراني هو بطل الحرب
وفقاً للمنهج الذي تعلمناه منذ الصغر، فإن تحليل الوضع الدولي ليس إلا الخطوة الأولى. أما الخطوة التالية والأكثر أهمية، فهي دراسة كيف يمكن لشعوب المنطقة الاستفادة من تعقيدات الوضع الدولي، وتوحيد قوى التقدم والعدالة في مختلف البلدان، وصياغة استراتيجيات واقعية، والتحرك من أجل الدفاع عن حقوق الدول والشعوب.
لكن النخب العربية التي نتحدث عنها لم تتعلم هذه الطريقة. فهي لا تعرف أساساً معنى النضال الفاعل والمبادرة الذاتية، ولذلك تستجيب وفق عاداتها الذهنية بطريقة سلبية. خلال الأشهر الماضية، تبادلت إيران والولايات المتحدة الضربات مراراً. ولم تحقق الولايات المتحدة أي تقدم يذكر في مسألة السيطرة على مضيق هرمز.
لكن كل ذلك لم يؤد إلى «صحوة جماعية» في العالم العربي. بل حدث العكس. فقد استُخدمت «نظرية صراع القوى الكبرى» لمحو معنى المقاومة الإيرانية نفسها. عندما يشرح محللو النخبة العرب هذه النظريات طويلاً في البرامج الإعلامية، فإنهم يستخدمون في الواقع السرديات الكبرى كنوعٍ من التنويم الفكري، لأنفسهم وللجمهور.
ويزيلون من عقولهم الإدراك المباشر لما يحدث أمامهم، ويصوغون منطقاً من هذا النوع:
«أنت ترى إيران تدافع عن نفسها وترد. فإذا اعتقدت بسبب ذلك أن إيران أحد الأطراف الأساسية في الحرب، فأنت ساذج. عليك أن تدرك أن الطرف الحقيقي في الحرب هو تلك القوة العظمى البعيدة في الشرق. وإذا رأيت أن الشرق الأوسط يتحمل أثماناً كثيرة بسبب الحرب، ثم اعتقدت أن المنطقة هي المتضرر الأكبر، فأنت ساذج أيضاً. عليك أن تفهم أن المتضرر الحقيقي سيكون إحدى القوتين العظميين. وبما أن أياً من هاتين القوتين لا تستطيع تحمل الثمن المقابل، فسوف تجدان حتماً طريقة لتجنب هذه النتيجة».
إحدى وظائف هذه النظرية هي إنكار أن إيران هي أحد أبطال الحرب الأمريكية الإيرانية.
يتبع المستمع العربي توجيهات الخبراء ويظن أنه اكتسب رؤية دولية، وأنه ارتفع إلى مستوى الجيوبوليتيك. لكن ما يحدث فعلياً هو أنه يتبع بصورة غير واعية المنطق الذي تصوغه النخب، وينسى فاعلية إيران واستقلال إرادتها في هذه الحرب.
تكمن داخل «نظرية صراع القوى الكبرى» فكرة يمكن وصفها بأنها نوع مبتذل من «فلسفة التاريخ»: في التاريخ الكبير، لا تستطيع أن تكون بطلاً إلا القوى الكبرى. هي التي تحرك الرياح والأمواج، وتفعل ما تريد، والتاريخ موجود أساساً من أجلها. أما الدول الصغيرة والمتوسطة وشعوبها فهي بلا أهمية. لا تستطيع تقرير مصيرها، ولا تستطيع التأثير في التاريخ.
وعندما يستخدم الخبراء العرب هذه «الفلسفة» لتحليل الحرب الأمريكية الإيرانية، فإنهم يقومون عملياً بعملية غسل ذهني تجعل الجمهور يتبنى انطباعاً من هذا النوع: صحيح أن الجيش والشعب الإيرانيين يقاومان ويهاجمان، لكنهما ليسا الفاعل الأساسي في هذه الحرب، ولا صانعي هذه المرحلة التاريخية، ولا من يسيطر على الوضع الإقليمي.
وعلى الرغم من أن الشعب الإيراني يعاني الصعوبات والمآسي، فإنه حتى داخل معاناته ومأساته ليس البطل. معنى التاريخ لا ينتج منه. ولا تحمل جهوده معنى يخصه. فهو لا يستطيع فقط صناعة المعنى، بل حتى امتلاك المعنى. لقد قررت «إرادة التاريخ» أن معنى هذه الحرب يوجد في مكان آخر، لدى القوى الكبرى. ولذلك، مهما كانت مقاومة الناس صلبة، فهي لا تستطيع التأثير في تشكيل المجتمع الدولي. بل على العكس، فإن تشكيل المجتمع الدولي هو الذي يحدد حياة الشعب الإيراني ومصيره.
كم هو مهين للإنسان أن يقال له: إنه ليس بطل حياته. إن «نظرية صراع القوى الكبرى» نظرية مثالية من دون شك. فهي تستبدل «الدولة» بـ«الإنسان»، وتختزل التاريخ في صعود القوى الكبرى وانهيارها. لكنها، مع ذلك، تلبي احتياجات نفسية لدى كثير من العرب.
وفي الواقع، أصبحت هذه النظرية في أيدي النخب العربية أداة جاهزة تستخدم لإلغاء فاعلية إيران وشعبها. هناك كمثال، محلل معروف لأسواق الطاقة يدعى أنس الحجي، يحب أيضاً الدخول في التحليلات السياسية الدولية. في أحد برامج البودكاست المصورة واسعة الانتشار، أعلن: أن الحرب الأمريكية الإيرانية «بدأت من الصين وستنتهي عند الصين». وما يقصده هو أن صعود الصين هو السبب الحقيقي وراء اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، وأن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتم إلا عبر تفاهم بين الصين والولايات المتحدة.
بل ذهب إلى القول: إنه، على الرغم من عدم وجود دليل، يعتقد أن الصين هي التي دفعت إيران إلى وقف إطلاق النار بعد أن توصلت بكين وواشنطن إلى اتفاق حول كيفية تقسيم المصالح العالمية بينهما، ولذلك ظهرت «مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية».
هناك على وسائل الإعلام العربية أشكال كثيرة مشابهة من هذه البرامج التي تمارس هذا النوع من غسل الأدمغة. فعلى القناة الإنجليزية التابعة لـ«العربية»، ظهر عنوان خبري يقول:
«هل تستطيع باكستان إقناع الصين بإنهاء حرب إيران؟» ولا يمكن القول: إن صانع هذا النوع من العناوين لا يبذل جهداً كبيراً في محو استقلالية الشعب الإيراني. ويمكن القول: إن هذه العبارات تمثل إلى حدٍّ بعيد، نظرة قطاع واسع من النخب العربية إلى إيران في الوقت الحالي.
انتظار قوة كبرى تُعيد تشكيل النظام الجديد في الخليج...
تُعد هذه الآراء نموذجية جداً. فهي تعكس توقعاً واسع الانتشار في العالم العربي بأن تتوصل الصين والولايات المتحدة عبر التفاوض إلى صيغة تنهي الحرب الحالية، ثم تبني نظاماً جديداً للشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تمثل تصريحات الدكتور شكوتي مثالاً جيداً. وهو أستاذ مشارك في الدوحة متخصص في الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان، ومعجب بأفكار سون تزو، وقد انتهى أخيراً من ترجمة «فن الحرب» إلى العربية.
في بودكاست مسجل في إسطنبول بعنوان «التنين والتراجع: هل أنهت إيران الهيمنة الأمريكية؟»، تحدث شكوتي عن باحث غربي نشر مقالاً قال فيه: إن العالم بعد الحرب الأمريكية الإيرانية قد يواجه ثلاثة احتمالات: الأول: حرب باردة جديدة. الثاني: تعددية قطبية. الثالث: حالة من «الفوضى الدولية» شبيهة بالفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لكن الدكتور شكوتي قال: إنه يريد، انطلاقاً من الشرق الأوسط، أن يقدم احتمالاً رابعاً: في الخليج، لدى كل من الصين والولايات المتحدة مصالح. ولذلك قد يكون من الممكن أن يتوصل الطرفان إلى نوع من الاتفاق، وأن «يتشاركا» أو «يقسّما» المصالح، وينهيا الحرب، بما يحمي مصالح القوتين العظميين ويستبدل المواجهة بالتفاهم.
وذهب شكوتي أبعد من ذلك، وقال: إن الأفضل هو أن تتوصل الصين والولايات المتحدة إلى صفقة كبرى بشأن العالم كله، وتكون صفقة الخليج جزءاً منها. ورأى أن هذا سيكون الخيار الأفضل لجميع الدول، وأبدى قدراً كبيراً من التطلع إلى هذا الاحتمال.
كما قدم شكوتي مثالاً عملياً على كيفية استبدال التنافس الأمريكي الصيني في الشرق الأوسط باتفاق. قال: إن منظّرين غربيين تحدثوا مراراً خلال العشرين عاماً الماضية عن أن الولايات المتحدة تنشر قوات وقواعد عسكرية في عدد كبير من دول الشرق الأوسط، وتقوم بـ«حماية مضيق هرمز وغيره من النقاط الاستراتيجية»، بينما تتدفق موارد المنطقة، وفي مقدمتها النفط، بصورة مستمرة نحو آسيا.
ولهذا، يرى هؤلاء المنظّرون أن جزءاً من «مسؤولية توفير الأمن» ينبغي أن ينتقل إلى الدول الآسيوية. بل قال أحدهم بصورة مباشرة:
إن الولايات المتحدة ينبغي أن تتوصل إلى اتفاق مع الصين في هذه المسألة، بحيث تتحمل الدولتان مستوى متساوياً من «المسؤولية» وتحصلان في المقابل على مستوى متساوٍ من «الفائدة».
ويرى شكوتي، أن هذا الطرح منطقي جداً. وهو يأسف لأن ترامب لا يبدو قادراً على إتمام مثل هذه الصفقة، وربما يستطيع رئيس أمريكي لاحق تنفيذها.
بالنسبة إلينا، فإن سيطرة إيران على مضيق هرمز وعجز الولايات المتحدة عن إيجاد حل فعّال لذلك يثبتان أن شعوب المنطقة قادرة على مواجهة القوى الخارجية الكبرى والدفاع عن أرضها وحقوقها. لكن كثيراً من نخب العرب لا يرون المسألة بهذه الطريقة.
في تفكيرهم المشوه، لا يعني ضعف القدرة الأمريكية على السيطرة على الخليج، أن شعوب المنطقة حصلت على فرصة للنهوض والنضال من أجل مصيرها. بل يعني أن المنطقة دخلت في «فراغ للقوة الكبرى» يحتاج بصورة عاجلة إلى قوة عظمى أخرى تأتي لملئه.
ولأسباب معينة ما تزال تحتاج إلى دراسة، لا يؤمن هؤلاء بأن إيران يمكنها، إذا وجد مثل هذا «الفراغ»، أن تسهم في ملئه. ولا يؤمنون بأن الشعوب العربية تستطيع أن تتحد مع الشعب الإيراني لتملأه بصورة مشتركة.
لا. هم يؤمنون بصورة عمياء بأنه لا بد من قوة عظمى من خارج المنطقة تأتي لتملأ ذلك الفراغ. بعد سماع «خطط» هؤلاء «الاستراتيجيين» للشرق الأوسط، يصبح من الصعب حتى الاستمرار في القلق على العالم العربي، لأن القلق نفسه يبدو وكأنه فقد جدواه.
لكن لحسن الحظ، «نظرية صراع القوى الكبرى» ليست الصوت الوحيد في الشرق الأوسط. هناك كمثال أستاذ شاب في جامعة طهران يدعى الدكتور أحمديان، يتحدث الإنجليزية والعربية بطلاقة، ويتمتع بأفكار واضحة. في إحدى حلقات البودكاست، تحدث عن «كيف يدفع العدوان الأمريكي «الإسرائيلي» إلى تعزيز وحدة إيران وتركيا والعالم العربي»، وحظيت الحلقة بتفاعل واسع على الإنترنت.
كما كتب الكاتب المصري المخضرم جميل مطر، الذي نشأ في أجواء موجة مناهضة الإمبريالية والاستعمار في دول العالم الثالث خلال القرن الماضي، مقالاً في صحيفة «الخليج» الإماراتية بعنوان: «متغيرات جديدة تتوالى وترسم صورة عالم مختلف».
قال فيه: إنه منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية شعر وكأنه عاد إلى أيام الحماسة التي صاحبت استعادة مصر لقناة السويس. ومن بين المشاهد التي أثارت حماسته، كتب: «في تلك الصالونات الثقافية، يخفض المثقفون أصواتهم وهم يتحدثون عما يسمونه «الظاهرة الإيرانية»».
وبحسب ما نقل مطر، فقد بدأ هؤلاء المثقفون يدركون أن «الظاهرة الإيرانية» متغير أساسي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط، كما أنها تقدم نموذجاً جديداً لفهم العلاقة بين القوى المتوسطة والقوى الكبرى. فالحرب الأمريكية الإيرانية، بحسب هذا الفهم، أثبتت أن قواعد الصراع بين القوى الكبرى والدول المتوسطة الحجم دخلت مرحلة جديدة.
لم تعد القوة الكبرى مضمونة الانتصار في أي صراع مع دولة متوسطة. كما أن الدولة المتوسطة ليست محكومة دائماً بالهزيمة. وتحت تأثير عدة عوامل، بدأ «شرق أوسط جديد» يتشكل تدريجياً. ومن الواضح أن المثقفين العرب الذين استلهموا تجربة إيران، كما يصفهم جميل مطر، يختلفون جذرياً من الناحية الروحية والفكرية عن شخصيات مؤيدي «نظرية صراع القوى الكبرى».
وربما تكون مثل هذه النخب هي القادرة على اختراق الهيمنة الفكرية لنظريات اليمين الغربي المعاصر، وعلى قيادة الناس للخروج من ليل الروح الطويل. وربما تساعدهم على إدراك، أن المجتمع والدولة والتاريخ كلها من صنع الإنسان، وأنها موجودة من أجل الإنسان، وأن غايتها النهائية هي:
مساواة البشر وحريتهم وكرامتهم.
